فتح الرحمن في تفسير القرآن لتعيلب - تعيلب  
{وَأُزۡلِفَتِ ٱلۡجَنَّةُ لِلۡمُتَّقِينَ غَيۡرَ بَعِيدٍ} (31)

{ يوم نقول لجهنم هل امتلأت وتقول هل من مزيد( 30 )وأزلفت الجنة للمتقين غير بعيد( 31 )هذا ما توعدون لكل أواب حفيظ( 32 ) من خشي الرحمن بالغيب وجاء بقلب منيب( 33 )ادخلوها بسلام ذلك يوم الخلود( 34 )لهم ما يشاؤون فيها ولدينا مزيد( 35 ) }

وأنذرهم يوم نقول للنار- بعد أن يُلْقَوْا فيها فوجا بعد فوج - هل امتلأت ؟ فتقول هل من زيادة ممن يستحقون الدخول ؟ . والظاهر بقاء السؤال والجواب على حقيقتهما . . . ونحن متعبدون باعتقاد الظاهر ما لم يمنع مانع ، ولا مانع هاهنا ، فإن القدرة صالحة ، والعقل مجوز ، والظواهر قاضية بوقوع ما جوزه العقل ، وأمور الآخرة لا ينبغي أن تقاس على أمور الدنيا ؛ ونقل عن ابن عباس ومجاهد والحسن : هو من باب التمثيل ، والمعنى أن مع اتساعها وتباعد أقطارها نطرح فيها من الجنة والناس فوجا بعد فوج حتى تمتلئ ؛ فالاستفهام للإنكار ، أي لا مزيد على امتلائها .

وبعد بيان مصير الفجار الكفار بينت الآيات مآل المحسنين الأبرار ، وشوقت إلى نعيم العزيز الغفار ، فالجنة التي وُعِدُوا قريبة من موقف العرض ؛ يقول صاحب غرائب القرآن : { غير بعيد } نصب على الظرف أي مكانا غير بعيد . . معناه التوكيد . . وقال آخرون إنه صفة مصدر محذوف أي إزلافا غير بعيد عن قدرتنا ، وذلك أن المكان لا يقرب وإنما يُقْرب منه ، فذكر الله سبحانه أن إزلاف المكان ليس ببعيد عن قدرتنا بطيّ المسافة وغير ذلك ؛ ويقال لهم : هذا ما عد الله لكل رجّاع إلى طريقه ومنهاجه ، حفيظ شديد الرعاية لأمانات دينه ؛ من خاف مقام ربه واسع الرحمة يقال له ولمن على شاكلته : ادخلوها سالمين من الآفات فلا موت ولا نصب ، ولا مشيب ولا كدر ، ولا تحول بل هو المستقر ، وذلك أول يوم البقاء والخلود .

قال قتادة : { ذلك يوم الخلود } خلدوا والله فلا يموتون ، ونعموا فلا يبأسون ، واستقروا فلا يتحولون ، ولكم ما تشتهون وتدعون ، وتتمنون وتطلبون ، بل يتفضل المولى بأكثر مما تستحقون { للذين أحسنوا الحسنى وزيادة . . . }{[5333]} .

يقول القرطبي : { وتقول } جهنم { هل من مزيد } أي ما بقى فيّ موضع للزيادة كقوله عليه السلام : ( وهل ترك لنا عقيل من رَبْع أو منزل ) أي ما ترك ؛ فمعنى الكلام الجحد . . وقال : ابن عباس وعطاء : الأوّاب{[5334]} : المسبح من قوله : { . . يا جبال أوّبي معه . . }{[5335]} . . . والخشية بالغيب أن تخافه ولم تره . . وقال الحسن إذا أرخى الستر وأغلق الباب . أه .

قال مسلم في صحيحه بسنده عن أبي سعيد رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( احتجت الجنة والنار فقالت النار فيّ الجبارون والمتكبرون وقالت الجنة فيّ ضعفاء الناس ومساكينهم فقضى بينهما فقال للجنة إنما أنت رحمتي أرحم بك من أشاء من عبادي وقال للنار إنما أنت عذابي أعذب بك من أشاء من عبادي ولكل واحدة منكما ملؤها ) .

ومما روى مسلم وأحمد وغيرهما عن صهيب ما يشهد أن معنى المزيد والزيادة : النظر إلى وجه ربنا الكريم جل علاه ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم –وقد تلا : { للذين أحسنوا الحسنى وزيادة . . } قال : ( إذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار نادى مناديا أهل الجنة إن لكم عند الله موعدا يريد أن ينجزكموه فيقولون وما هو ألم يثقل موازيننا ألم يبيض وجوهنا ويدخلنا الجنة ويُجرنا من النار قال فيكشف لهم الحجاب فينظرون إليه فو الله ما أعطاهم الله شيئا أحب إليهم من النظر إليه ولا أقر لأعينهم ) .


[5333]:سورة يونس. من الآية 26.
[5334]:أورد الماوردي فيما نقله عن القرطبي: روى مكحول عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من حافظ على أربع ركعات من أول النهار كان أوّابا حفيظا).
[5335]:سورة سبأ الآية 10.