فتح الرحمن في تفسير القرآن لتعيلب - تعيلب  
{مَا يُبَدَّلُ ٱلۡقَوۡلُ لَدَيَّ وَمَآ أَنَا۠ بِظَلَّـٰمٖ لِّلۡعَبِيدِ} (29)

{ وقال قرينه هذا ما لدي عتيد( 23 )ألقيا في جهنم كل كفار عنيد( 24 )مناع للخير معتد مريب( 25 )الذي جعل مع الله إلها آخر فألقياه في العذاب الشديد( 26 )*قال قرينه ربنا ما أطغيته ولكن كان في ضلال بعيد( 27 )قال لا تختصموا لدي وقد قدمت إليكم بالوعيد( 28 )ما يبدل القول لدي وما أنا بظلام للعبيد( 29 ) } .

ويقول قرين{[5326]} الكافر حين يساق للعرض على الله : هذا ما كان عندي جئت به مُعَدًّا مهيأ ؛ وقال قتادة وابن زيد : قرينه : الملك الموكل بسوقه يقول مشيرا إليه : هذا ما لديّ حاضر ، واختار ابن جرير أنه يعم السائق والشهيد وله اتجاه وقوة ؛ فعند ذلك يحكم الله تعالى في الخليقة بالعدل ويقول : { ألقيا في جهنم كل كفار عنيد } كثير الكفر بالنعمة وبالمنعم ، معاند للحق ، مبالغ في المشاقة والتجافي والاستنكاف عن الرشد ، ينأى عن الخير وينهى عنه ، ولا يؤدي صدقة ولا صلة رحم ولا برا ، متجاوز في قوله وفعله وأمره ظالم ، يقيم على حال مريب ، ويشك في صدق وحينا ، ويزين لغيره الشك ، هذا الذي طرح في الجحيم بفساده ، وعناده وجحوده وصدوده ، وبغيه وجوره ، جعل لله شريكا فعبد معه غيره ، فاطرحاه في أشد العذاب ليذوق وبال أمره ؛ فيقول الضالون من الجن والإنس ما حكاه القرآن : { . . ربنا أرنا اللذين أضلانا من الجن والإنس نجعلهما تحت أقدامنا ليكونا من الأسفلين }{[5327]} فيقول قرينه من الهلكى المضلين ، ورفيقه من الشياطين- شياطين الإنس والجن- : يا رب ما أفسدته ولا أغويته ، ولكنه آثر الغواية ، واستحب العمى على الهداية ، وأمعن في الجهالة والسوء والضلالة ، وذلك ما بيّنه الكتاب العزيز إذ يلعن بعضهم بعضا يوم القيامة ويكفر بعضهم ببعض : { وقال الشيطان لما قضي الأمر إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي . . }{[5328]} { . . . . أنحن صددناكم عن الهدى بعد إذ جاءكم بل كنتم مجرمين }{[5329]} { وقالوا مالنا لا نرى رجالا كنا نعدهم من الأشرار . أتخذناهم سخريا أم زاغت عنهم الأبصار . إن ذلك لحق تخاصم أهل النار }{[5330]} ، فلا يقبل الله منهم عذرا ، وإنما يحسرهم بقوله الحق ، ويقيم عليهم الحجة بوعده الصدق : ليس في هذه الدار يكون الجدال ، والتبري من الإضلال ، فقد بعثت إليكم بالحق رسلا مبشرين ومنذرين { . . لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل . . }{[5331]} أنذروكم عذابي وخوفوكم وعيدي الذي تلاقونه اليوم وقد سبق القول مني : { إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين في نار جهنم خالدين فيها . . }{[5332]} وما أنا بمعذب أحدا لم يذنب ، ولكن لا أعذب أحدا إلا بذنبه بعد قيام الحجة عليه .


[5326]:أورد الألوسي: وفي الحديث:(ما من أحد إلا وقد وكل به قرينه من الجن) قالوا ولا أنت يا رسول الله؟ قال:(ولا أنا إلا أن الله تعالى أعانني عليه فأسلم فلا يأمرني إلا بخير).
[5327]:سورة فصلت. من الآية 29.
[5328]:سورة إبراهيم. من الآية 22.
[5329]:سورة سبأ. من الآية 32.
[5330]:سورة ص. الآيات:،62، 63، 64.
[5331]:سورة النساء. من الآية 165.
[5332]:سورة البينة. من الآية 6.