فتح الرحمن في تفسير القرآن لتعيلب - تعيلب  
{وَجَآءَتۡ كُلُّ نَفۡسٖ مَّعَهَا سَآئِقٞ وَشَهِيدٞ} (21)

{ وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد( 19 )ونفخ في الصور ذلك يوم الوعيد( 20 )وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد( 21 )لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد( 22 ) } .

وحين تجيء شدة الموت وسكرته ، وتنزل غمرته وكربته ، يستبين الحق-حق الرحيل عن هذه الحياة ، حق رضوان الله عمن اهتدى بهداه ، وسخطه على الفاسقين الطغاة-ذلك الموت الذي كنت عنه تميل ومنه تفر- والخطاب لجنس الإنسان من بر وفاجر- .

وفي الصحيح عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت بين يديه ركوة-أو علبة- فيها ماء فجعل يدخل يديه في الماء فيمسح وجهه ويقول : ( لا إله إلا الله إن للموت سكرات ) ثم نصب يده فجعل يقول : ( في الرفيق الأعلى حتى قبض ومالت يده ) أخرجه البخاري .

ونفخ في الصور نفخة البعث- وكأنما جاء الحديث عن القيامتين الأولى الموت والثانية البعث جاء بلفظ الماضي لتحقق و قوعهما ، وكأنهما أمران قد انقضيا وحدثا فعلا- ذلك اليوم الذي توعّد الله به الكفرة وإنه ليوم عسير إلا على المتقين فلهم البشرى { لا يحزنهم الفزع الأكبر وتتلقاهم الملائكة هذا يومكم الذي كنتم توعدون }{[5321]} ، وتجيء كل نفس للحشر والعرض والسؤال والوزن والحساب يسوقها ملك ويشهد عليها ملك{[5322]} .

ولدى شهوده الحشر يقال له لقد كنت في غفلة من هذا المآل والمصير فكشفنا عنك ما غطى بصرك وبصيرتك ، فأنت اليوم ترى ما لم تكن تحتسب ؛ ويُقر بذلك معتذرا ويتذكر ، لكن حين لا تنفعهم الذكرى : { ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رؤوسهم عند ربهم ربنا أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صالحا }{[5323]} ، وما أحدّ حواسهم ومداركهم يومئذ { أسمع بهم وأبصر يوم يأتوننا . . }{[5324]} .

مما أورد الطبري : . . . اختلفوا في المقول ذلك له ، فقال بعضهم : المقول له ذلك الكافر ؛ وقال آخرون : هو نبي الله صلى الله عليه وسلم ؛ وقال آخرون : هو جميع الخلق من الجن والإنس . . . . ذكر من قال هو نبي الله صلى الله عليه وسلم : حدثني يوسف فقال أخبرنا ابن وهب قال : قال ابن زيد في قول : { لقد كنت في غفلة من هذا . . } فقال : هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : لقد كنت في غفلة من هذا الأمر يا محمد كنت مع القوم في جاهليتهم فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد ، وعلى هذا التأويل الذي قاله ابن زيد يجب أن يكون هذا الكلام خطابا من الله لرسوله صلى الله عليه وسلم أنه كان في غفلة في الجاهلية من هذا الدين الذي بعثه به فكشف عنه غطاءه الذي كان عليه في الجاهلية فنفذ بصره بالإيمان وتبينه حتى تقرر ذلك عنده فصار حادّ البصر به . أه .

أقول : والقرآن الكريم نطق بما هو قريب من ذلك في الآية الكريمة : { نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن وإن كنت من قبله لمن الغافلين }{[5325]} .


[5321]:سورة الأنبياء. الآية 103.
[5322]:يقول القرطبي: في حديث جابر بن عبد الله قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:(إن ابن آدم لفي غفلة عما خلقه الله عز وجل له إن الله لا إله غيره إذا أراد خلقه قال للملك اكتب رزقه وأثره وأجله واكتبه شقيا أو سعيدا ثم يرتفع ذلك الملك ويبعث الله ملكا آخر فيحفظه حتى يدرج ثم يبعث الله ملكين يكتبان حسناته وسيئاته فإذا جاءه الموت ارتفع ذانك الملكان ثم جاءه ملك الموت عليه السلام فيقبض روحه فإذا أُدخل حفرته ردّ الروح في جسده ثم يرتفع ملك الموت ثم جاءه ملكا القبر فامتحناه ثم يرتفعان فإذا قامت الساعة انحط عليه ملك الحسنات وملك السيئات فأنشطا كتابا معقودا في عنقه ثم حضرا معه واحد سائق والآخر شهيد ثم قال الله تعالى:{لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد}). قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(لتركبن طبق عن طبق) قال: حالا بعد حال) ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم:(إن قدامكم أمر عظيم فاستعينوا بالله العظيم) أخرجه أبو نعيم الحافظ من حديث جعفر، وحديث جابر تفرد عنه جابر الجعفي وعنه المفضل.
[5323]:سورة السجدة. من الآية 12.
[5324]:سورة مريم. من الآية 38.
[5325]:سورة يوسف. الآية 3.