فتح الرحمن في تفسير القرآن لتعيلب - تعيلب  
{وَأَمۡدَدۡنَٰهُم بِفَٰكِهَةٖ وَلَحۡمٖ مِّمَّا يَشۡتَهُونَ} (22)

{ والذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُم مِّنْ عَمَلِهِم مِّن َّشَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ( 21 ) وَأَمْدَدْنَاهُم بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ ( 22 ) يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْسًا لَّا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ ( 23 )* وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَّهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَّكْنُونٌ( 24 ) وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءلُونَ( 25 ) قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ( 26 ) فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ ( 27 ) إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ ( 28 ) }

من لقي الله تعالى تقيّا فله الجزاء الذي بشرت به الآيات من 17 إلى رقم20 ؛ من أول قوله-تبارك اسمه- : { إن المتقين } حتى قوله سبحانه : { . . وزوجناهم بحور عين } وهذه الآيات جاءت بعد تلك لتبين حال طائفة تبعتهم ذريتهم في الصلاح والإيمان ، هؤلاء يقر الله تعالى أعينهم فيرفع ذريتهم إلى درجة آبائهم وإن لم يعملوا مثل أعمالهم تكريما لهم ، ودون أن ينقص الله من أجر الآباء شيئا ، إذ كل امرئ إنما جزاؤه بالذي قدم وعمل في حياته الأولى [ وقيل : مرهون عند الله كأن الكسب بمنزلة الدين ، ونفس العبد بمنزلة الرهن ، ولا ينفك الرهن ما لم يُؤدّ الدين ، فإن كان العمل صالحا فقد أدى لأن العمل الصالح يقبله ربنا سبحانه ويصعد إليه عز وجل ، وإن كان غير ذلك فلا أداء ولا خلاص إذ لا يصعد إليه سبحانه غير الطيب ، ولذا قال عز وجل : { كل نفس بما كسبت رهينة . إلا أصحاب اليمين }{[5633]} فإن المراد : كل نفس رهن بكسبها عند الله تعالى غير مفكوك إلا أصحاب اليمين ، فإنهم فكوا عنه رقابهم بما أطابوه من كسبهم ؛ ووجه الاتصال على هذا- أنه سبحانه- لما ذكر حال المتقين ، وأنه عز وجل وفّر عليهم ما أعده من الثواب والتفضل عقّب بذلك الكلام على أنهم فكوا رقابهم وخلصوها ، وغيرهم بقي معذبا لأنه لم يفك رقبته . . . . ]{[5634]} .

ونعيم هؤلاء فيه مزيد فاكهة ولحم يرادونه حين يشاؤون وكما يشتهون ، ويتجاذبون في مجالسهم - تبسطا وملاعبة- كأس الشراب الأخروي الذي يبهج ولا يتلف عقلا ولا خلقا ولا جسما ، فليس في مجالسهم ولا في مشاربهم ما يجر إلى سقط الكلام ، ولا إلى الوقوع في الذنوب والآثام ؛ ويطوف عليهم لخدمتهم ولدان لا يكبرون ، كأنهم اللؤلؤ المكنون ، المصون في الصدف لم تنله الأيدي ، فهو مصون مخزون ، وصاف لم تخالطه أكدار ؛ ويتذاكرون نعمة الله عليهم ويسأل كل واحد رفيقه في الجنة عن أحواله ومآله ، فيذكرون فضل الولي الحميد الذي أمّن خوفهم ، وأعطاهم سؤلهم ، وبلغهم آمالهم ، وصانهم ، وحال بينهم وبين حر النار .

[ وقد تستعمل السموم في لفح البرد . . . { إنا كنا من قبل ندعوه } أي في الدنيا بأن يمن علينا بالمغفرة عن تقصيرنا . وقيل : { ندعوه } أي نعبده ]{[5635]} .

[ . . { لا لغو فيها ولا تأثيم } . . فنزّه الله خمر الآخرة عن قاذورات خمر الدنيا وآذاها- كما تقدم- فنفى عنها صداع الرأس ، ووجع البطن ، وإزالة العقل بالكلية ؛ وأخبر أنها لا تحملهم على الكلام السيء الفارغ عن الفائدة المتضمن هذيانا وفحشا ، وأخبر بحسن منظرها ، وطيب طعمها ومخبرها فقال : { بيضاء لذة للشاربين . لا فيها غول ولا هم عنها ينزفون }{[5636]} وقال : { لا يصدعون عنها ولا ينزفون }{[5637]} ]{[5638]} .

{ والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان } الآية ، هذا فضله تعالى على الأبناء ببركة عمل الآباء ، وأما فضله على الآباء ببركة دعاء الأبناء فقد قال الإمام أحمد : حدثنا يزيد حدثنا حماد بن سلمة عن عاصم بن أبي النجود عن أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن الله ليرفع الدرجة للعبد الصالح في الجنة فيقول : يا رب أنّى لي هذه فيقول باستغفار ولدك لك ) إسناده صحيح ولم يخرجوه من هذا الوجه ، ولكن له شاهد في صحيح مسلم عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث : صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له ) .


[5633]:سورة المدثر. الآيتان39،38.
[5634]:ما بين العارضتين مما أورد الألوسي.
[5635]:مما أورد القرطبي.
[5636]:سورة الصافات الآيتان: 37،36.
[5637]:سورة الواقعة الآية 19.
[5638]:مما أورد صاحب تفسير القرآن العظيم.