قوله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة واعلموا أن الله مع المتقين }
اعلم أنه نقل عن الحسن أنه قال : هذه الآية نزلت قبل الأمر بقتال المشركين كافة ، ثم إنها صارت منسوخة بقوله : { قاتلوا المشركين كافة } وأما المحققون فإنهم أنكروا هذا النسخ وقالوا : إنه تعالى لما أمر بقتال المشركين كافة أرشدهم في ذلك الباب إلى الطريق الأصوب الأصلح ، وهو أن يبتدؤا من الأقرب فالأقرب ، منتقلا إلى الأبعد فالأبعد . ألا ترى أن أمر الدعوة وقع على هذا الترتيب قال تعالى : { وأنذر عشيرتك الأقربين } وأمر الغزوات وقع على هذا الترتيب لأنه عليه السلام حارب قومه ، ثم انتقل منهم إلى غزو سائر العرب ثم انتقل منهم إلى غزو الشام ، والصحابة رضي الله عنهم لما فرغوا من أمر الشام دخلوا العراق . وإنما قلنا : إن الابتداء بالغزو من المواضع القريبة أولى لوجوه : الأول : أن مقابلة الكل دفعة واحدة متعذرة ، ولما تساوى الكل في وجوب القتال لما فيهم من الكفر والمحاربة وامتنع الجمع ، وجب الترجيح ، والقرب مرجح ظاهر كما في الدعوة ، وكما في سائر المهمات ، ألا ترى أن في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الابتداء بالحاضر أولى من الذهاب إلى البلاد البعيدة لهذا المهم ، فوجب الابتداء بالأقرب . والثاني : أن الابتداء بالأقرب أولى لأن النفقات فيه أقل ، والحاجة إلى الدواب والآلات والأدوات أقل . الثالث : أن الفرقة المجاهدة إذا تجاوزوا من الأقرب إلى الأبعد فقد عرضوا الذراري للفتنة . الرابع : أن المجاورين لدار الإسلام إما أن يكونوا أقوياء أو ضعفاء ، فإن كانوا أقوياء كان تعرضهم لدار الإسلام أشد وأكثر من تعرض الكفار المتباعدين ، والشر الأقوى الأكثر أولى بالدفع ، وإن كانوا ضعفاء كان استيلاء المسلمين عليهم أسهل ، وحصول عز الإسلام لسبب انكسارهم أقرب وأيسر ، فكان الابتداء بهم أولى . الخامس : أن وقوف الإنسان على حال من يقرب منه أسهل من وقوفه على حال من يبعد منه ، وإذا كان كذلك كان اقتدار المسلمين على مقاتلة الأقربين أسهل لعلمهم بكيفية أحوالهم وبمقادير أسلحتهم وعدد عساكرهم . السادس : أن دار الإسلام واسعة ، فإذا اشتغل أهل كل بلد بقتال من يقرب منهم من الكفار كانت المؤنة أسهل ، وحصول المقصود أيسر . السابع : أنه إذا اجتمع واجبان وكان أحدهما أيسر حصولا وجب تقديمه ، والقرب سبب السهولة ، فوجب الابتداء بالأقرب . الثامن : أنا بينا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ابتدأ في الدعوة بالأقرب فالأقرب ، وفي الغزو بالأقرب فالأقرب ، وفي جميع المهمات كذلك . فإن الأعرابي لما جلس على المائدة وكان يمد يده إلى الجوانب البعيدة من تلك المائدة قال عليه السلام له : «كل مما يليك » فدلت هذه الوجوه على أن الابتداء بالأقرب فالأقرب واجب .
فإن قيل : ربما كان التخطي من الأقرب إلى الأبعد أصلح ، لأن الأبعد يقع في قلبه أنه إنما جاوز الأقرب لأنه لا يقيم له وزنا .
قلنا : ذاك احتمال واحد ، وما ذكرنا احتمالات كثيرة ، ومصالح الدنيا مبنية على ترجيح ما هو أكثر مصلحة على ما هو الأقل ، وهذا الذي قلناه إنما قلناه إذا تعذر الجمع بين مقاتلة الأقرب والأبعد ، أما إذا أمكن الجمع بين الكل ، فلا كلام في أن الأولى هو الجمع ، فثبت أن هذه الآية غير منسوخة البتة .
وأما قوله تعالى : { وليجدوا فيكم غلظة } قال الزجاج : فيها ثلاث لغات ، فتح الغين وضمها وكسرها . قال صاحب «الكشاف » : الغلظة بالكسر الشدة العظيمة ، والغلظة كالضغطة ، والغلظة كالسخطة ، وهذه الآية تدل على الأمر بالتغليظ عليهم ، ونظيره قوله تعالى : { واغلظ عليهم } وقوله : { ولا تهنوا } وقوله في صفة الصحابة رضي الله عنهم : { أعزة على الكافرين } وقوله : { أشداء على الكفار } وللمفسرين عبارات في تفسير الغلظة ، قيل شجاعة وقيل شدة وقيل غيظا .
واعلم أن الغلظة ضد الرقة ، وهي الشدة في إحلال النقمة ، والفائدة فيها أنها أقوى تأثيرا في الزجر والمنع عن القبيح ، ثم إن الأمر في هذا الباب لا يكون مطردا ، بل قد يحتاج تارة إلى الرفق واللطف وأخرى إلى العنف ، ولهذا السبب قال : { وليجدوا فيكم غلظة } تنبيها على أنه لا يجوز الاقتصار على الغلظة البتة فإنه ينفر ويوجب تفرق القوم ، فقوله : { وليجدوا فيكم غلظة } يدل على تقليل الغلظة ، كأنه قيل لابد وأن يكونوا بحيث لو فتشوا على أخلاقكم وطبائعكم لوجدوا فيكم غلظة ، وهذا الكلام إنما يصح فيمن أكثر أحواله الرحمة والرأفة ، ومع ذلك فلا يخلو عن نوع غلظة .
واعلم أن هذه الغلظة إنما تعتبر فيما يتصل بالدعوة إلى الدين . وذلك إما بإقامة الحجة والبينة ، وإما بالقتال والجهاد ، فإما أن يحصل هذا التغليظ فيما يتصل بالبيع والشراء والمجالسة والمؤاكلة فلا .
ثم قال : { واعلموا أن الله مع المتقين } والمراد أن يكون إقدامه على الجهاد والقتال بسبب تقوى الله ، لا بسبب طلب المال والجاه ، فإذا رآه قبل الإسلام أحجم عن قتاله ، وإذا رآه مال إلى قبوله الجزية تركه ، وإذا كسر العدو أخذ الغنائم على وفق حكم الله تعالى .
{ ياأيها الذين ءامَنُواْ قَاتِلُواْ الذين يَلُونَكُمْ مّنَ الكفار } أي الذين يقربون منكم قرباً مكانياً وخص الأمر به مع قوله سبحانه في أول السورة : { اقتلوا * المشركين حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ } [ التوبة : 5 ] ونحوه قيل : لأنه من المعلوم أنه لا يمكن قتال جميع الكفار وغزو جميع البلاد في زمان واحد فكان من قرب أولى ممن بعد ، ولأن ترك الأقرب والاشتغال بقتال إلا بعد لا يؤمن معه من الهجوم على الذراري والضعفاء ، وأيضاً الأبعد لا حد له بخلاف الأقرب فلا يؤمر به ، وقد لا يمكن قتال إلا بعد قبل قتال الأقرب ، وقال بعضهم : المراد قاتلوا الأقرب فالأقرب حتى تصلوا إلى الأبعد فالأبعد وبذلك يحصل الغرض من قتال المشركين كافة ، فهذا إرشاد إلى طريق تحصيله على الوجه الأصلح .
ومن هنا قاتل صلى الله عليه وسلم أولاً قومه ثم انتقل إلى قتال سائر العرب ثم إلى قتال قريظة . والنضير . وخيبر . وأضرابهم ثم إلى قتال الروم فبدأ عليه الصلاة والسم بقتال الأقرب فالأقرب وجرى أصحابه على سننه صلى الله عليه وسلم إلى أن وصلت سراياهم وجيوشهم إلى ما شاء الله تعالى وعلى هذا فلا نسخ ، وروي عن الحسن أن الآية منسوخة بما تقدم والمحققون على أنه لا وجه له ، وزعم الخازن تبعاً لغيره أن المراد من الولي ما يعم القرب المكاني والنسبي وهو خلاف الظاهر ، وقيل : إنه خاص بالنسبي لأنها نزلت لما تحرج الناس من قتل أقربائهم ، ولا يخفى ضعفه .
{ وَلِيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَةً } أي شدة كما قال ابن عباس وهي مثلثة الغين ، وقرىء بذلك لكن السبعة على الكسر ، والمراد من الشدة ما يشمل الجراءة والصبر على القتال والعنف في القتل والأسر ونحو ذلك ، ومن هنا قالوا : إنها كلمة جامعة والأمر على حد لا أرينك ههنا فليس المقصود أمر الكفار بأن يجدوا في المؤمنين ذلك بل أمر المؤمنين بالاتصاف بما ذكر حتى يجدهم الكفار متصفين به { واعلموا أَنَّ الله مَعَ المتقين } بالعصمة والنصرة ، والمراد بهم إما المخاطبون والإظهار للتنصيص على أن الإيمان والقتال على الوجه المذكور من باب التقوى والشهادة بكونهم من زمرة المتقين ، وإما الجنس وهم داخلون فيه دخولاً أولياً ، وأياً ما كان فالكلام تعليل وتأكيد لما قبله .
هذا ومن باب الإشارة :وقوله تعالى : { ياأيها الذين ءامَنُواْ قَاتِلُواْ الذين يَلُونَكُمْ مّنَ الكفار } إشارة إلى الجهاد الأكبر ولعله تعليم لكيفية النفر المطلوب وبيان لطريق تحصيل الفقه أي قاتلوا كفار قوى نفوسكم بمخالفة هواها ، وفي الخبر «أعدى عدوك نفسك التي بين جنبيك » { وَلِيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَةً } أي قهراً وشدة حتى تبلغوا درجة التقوى { واعلموا أَنَّ الله مَعَ المتقين } [ التوبة : 123 ] بالولاية والنصر
{ آمنوا } : أي بالله ورسوله ووعد الله ووعيده .
{ الذين يلونكم } : أي يلون بلادكم وحدودها .
{ من الكفار } : من : بَيانِيَّة ، أي الكافرين .
{ وليجدوا فيكم غلظة } : أي قوة بأس وشدة مراس ليرهبوكم وينهزموا أمامكم .
{ مع المتقين } : أي بنصره وتأييده والمتقون هم الذين اتقوا الشرك والمعاصي والخروج عن السنن الإِلهية في النصر والهزيمة .
لما طهرت الجزيرة من الشرك وأصبحت دار إسلام وهذا في أخريات حياة الرسول صلى الله عليه وسلم وذلك بعد غزوة تبوك أمر الله تعالى المؤمنين بأن يواصلوا الجهاد في سبيله بعد وفاة نبيه وأرشدهم إلى الطريق التي يجب أن يتبعوها في ذلك وهي : أن يبدأوا بدعوة وقتال أقرب كافر منهم والمراد به الكافر المتاخم لحدودهم كالأردن أو الشام أو العراق مثلاً فيعسكروا على مقربة منهم ويدعونهم إلى خصلة من ثلاث : الدخول في دين الله الإِسلام أو قبول حماية المسلمين لهم بدخولهم البلاد وضرب الجزية على القادرين منهم مقابل حمايتهم وتعليمهم وحكمهم بالعدل والرحمة الإِسلامية أو القتال حتى يحكم الله بيننا وبينكم فإذا ضمت أرض هذا العدو إلى بلادهم وأصبحت لهم حدود أخرى فعلوا كما فعلوا أولاً وهكذا حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله ، فتسعد البشرية في دنياها وآخرتها . وأمرهم أن يعلموا أن الله ما كلفهم بالجهاد إلا وهو معهم وناصرهم ولكن على شرط أن يتقوه في أمره ونهيه فهذا ما دلت عليه الآية الكريمة { يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة } أي قوة بأس وشدة مراس في الحرب { واعلموا أن الله مع المتقين } . أي بنصره وتأييده .
1- وجوب الجهاد واستمراريته إلى أن لا تبقى فتنة أو شرك أو اضطهاد لمؤمن ويكون الدين والحكم كلاهما لله تعالى .
2- مشروعية البداءة في الجهاد بأقرب الكفار إلى بلاد المسلمين من باب ( الأقربون أولى بالمعروف ) .
3- إذا اتسعت بلاد الإِسلام تعين على أهل كل ناحية قتال من يليهم الأقرب فالأقرب .