مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{فَلَوۡلَآ إِذَا بَلَغَتِ ٱلۡحُلۡقُومَ} (83)

قوله تعالى : { فلولا إذا بلغت الحلقوم ، وأنتم حينئذ تنظرون ، ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون } وفيه مسائل :

المسألة الأولى : المراد من كلمة : { لولا } معنى هلا من كلمات التحضيض وهي أربع كلمات : لولا ، ولوما ، وهلا ، وألا ويمكن أن يقال : أصل الكلمات لم لا ، على السؤال كما يقول القائل : إن كنت صادقا فلم لا يظهر صدقك ، ثم إنما قلنا : الأصل لم لا لكونه استفهاما أشبه قولنا : هلا ، ثم إن الاستفهام تارة يكون عن وجود شيء وأخرى عن سبب وجوده ، فيقال : هل جاء زيد ولم جاء ، والاستفهام بهل قبل الاستفهام بلم ، ثم إن الاستفهام قد يستعمل للإنكار وهو كثير ، ومنه قوله تعالى هاهنا : { أفبهذا الحديث أنتم مدهنون } وقوله : { أتدعون بعلا وتذرون } وقوله تعالى : { إفكا آلهة دون الله تريدون } ونظائرها كثيرة ، وقد ذكرنا لك الحكمة فيه ، وهي أن النافي والناهي لا يأمر أن يكذب المخاطب فعرض بالنفي لئلا يحتاج إلى بيان النفي ، إذا ثبت هذا فالاستفهام «بهل » لإنكار الفعل ، والاستفهام «بلم » لإنكار سببه ، وبيان ذلك أن من قال : لم فعلت كذا ، يشير إلى أنه لا سبب للفعل ، ويقول : كان الفعل وقع من غير سبب الوقوع ، وهو غير جائز ، وإذا قال : هل فعلت ، ينكر نفس الفعل لا الفعل من غير سبب ، وكأنه في الأول يقول : لو وجد للفعل سبب لكان فعله أليق ، وفي الثاني يقول : الفعل غير لائق ولو وجد له سبب .

المسألة الثانية : إن كل واحد منهما يقع في صدر الكلام ، ويستدعي كلاما مركبا من كلامين في الأصل ، أما في «هل » فلأن أصلها أنك تستعملها في جملتين ، فتقول : هل جاء زيد أو ما جاء ، لكنك ربما تحذف أحديهما ، وأما في ( لو ) فإنك تقول : لو كان كذا لكان كذا ، وربما تحذف الجزاء كما ذكرنا في قوله تعالى : { لو تعلمون } لأنه يشير بلو إلى أن المنفي له دليل ، فإذا قال القائل : لو كنتم تعلمون ، وقيل له لم لا يعلمون ، قال : إنهم لو يعلمون لفعلوا كذا ، فدليله مستحضر إن طولب به بينه وإذا ثبت أن النفي بلو ، والنفي بهل ، أبلغ من النفي بلا ، والنفي بقوله : لم ، وإن كان بينهما اشتراك معنى ولفظا وحكما وصارت كلمات التحضيض وهي : لو ما ، ولولا ، وهلا وألا ، كما تقول : لم لا فإذن قول القائل : هل تفعل وأنت عنه مستغن ، كقوله : لم تفعل وهو قبيح ، وقوله : وهلا تفعل وأنت إليه محتاج ، وألا تفعل وأنت إليه محتاج ، وقوله : لولا ، ولوما ، كقوله : لم لا تفعل ، ولم لا فعلت ، فقد وجد في ألا زيادة نص ، لأن نقل اللفظ لا يخلو من نص ، كما أن المعنى صار فيه زيادة ما ، على ما في الأصل كما بيناه ، وقوله تعالى : { فلولا إذا بلغت الحلقوم } أي لم لا يقولون عند الموت وهو وقت ظهور الأمور وزمان اتفاق الكلمات ، ولو كان ما يقولونه حقا ظاهرا كما يزعمون لكان الواجب أن يشركوا عند النزع ، وهذا إشارة إلى أن كل أحد يؤمن عند الموت لكن لم يقبل إيمان من لم يؤمن قبله ، فإن قيل : ما سمع منهم الاعتراف وقت النزع بل يقولون : نحن نكذب الرسل أيضا وقت بلوغ النفس إلى الحلقوم ونموت عليه ؟ فنقول : هذه الآية بعينها إشارة وبشارة ، أما الإشارة فإلى الكفار ، وأما البشارة فللرسل ، أما الإشارة وهي أن الله تعالى ذكر للكفار حالة لا يمكنهم إنكارها وهي حالة الموت فإنهم وإن كفروا بالحشر وهو الحياة بعد الموت لكنهم لم ينكروا الموت ، وهو أظهر من كل ما هو من مثله فلا يشكون في حالة النزع ، ولا يشكون في أن في ذلك الوقت لا يبقى لهم لسان ينطق ، ولا إنكار بعمل فتفوتهم قوة الاكتساب لإيمانهم ولا يمكنهم الإتيان بما يجب فيكون ذلك حثا لهم على تجديد النظر في طلب الحق قبل تلك الحالة ، وأما البشارة فلأن الرسل لما كذبوا وكذب مرسلهم صعب عليهم ، فبشروا بأن المكذبين سيرجعون عما يقولون ، ثم هو إن كان قبل النزع فذلك مقبول وإلا فعند الموت وهو غير نافع ، والضمير في { بلغت } للنفس أو الحياة أو الروح .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{فَلَوۡلَآ إِذَا بَلَغَتِ ٱلۡحُلۡقُومَ} (83)

وقوله تعالى : { تُكَذّبُونَ فَلَوْلاَ إِذَا بَلَغَتِ الحلقوم } الخ تبكيت كما سمعت وذلك باعتبار تكذيبهم بما نطق به قوله تعالى : { نَحْنُ خلقناكم } [ الواقعة : 57 ] الخ أعني الآيات الدالة على كونهم تحت ملكوته تعالى من حيث ذواتهم ومن حيث طعامهم وشرابهم وسائر أسباب معايشهم ولولا للتحضيض بإظهار عجزهم ، و { إِذَا } ظرفية ، و { الحلقوم } مجرى الطعام ؛ وضمير { بَلَغَتِ } للنفس لانفهامها من الكلام وإن لم يجر لها ذكر قبل ، والمراد بها الروح بمعنى البخار المنبعث عن القلب دون النفس الناطقة فإنها لا توصف بما ذكر وكأنه مبني على القول بتجرد النفس الناطقة وهي المسماة بالروح الأمرية ، وأنها لا داخل البدن ولا خارجه ولا تتصف بصفات الأجسام كالصعود والنزول وغيرهما على ما اختاره حجة الإسلام الغزالي وجماعة من المحققين ، ومذهب السلف أن النفس الناطقة وهي الروح المشار إليها بقوله تعالى : { يَسْأَلُونَكَ عَنِ الروح قُلِ الروح مِنْ أَمْرِ رَبّى } [ الإسراء : 85 ] جسم لطيف جداً سار في البدن سريان ماء الورد في الورد وهو حي بنفسه يتصف بالخروج والدخول وغيرهما من صفات الأجسام ، وقد رد العلامة ابن القيم قول الغزالي ومن وافقه بأدلة كثيرة ذكرها في كتابه الروح ، ووصفها ببلوغ الحلقوم عليه ظاهر .

وأما على القول بالتجرد وعدم التحيز فقيل : المراد به ضعف التعلق بالبدن وقرب انقطاعه عنه فكأنه قيل : فلولا إذا حان انقطاع تعلق الروح بالبدن .

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{فَلَوۡلَآ إِذَا بَلَغَتِ ٱلۡحُلۡقُومَ} (83)

{ فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ } أي : فهلا إذا بلغت الروح الحلقوم .