المسألة الأولى : في معنى الروح وفيه وجوه ( الأول ) هو الرحمة قال تعالى : { ولا تيأسوا من روح الله } أي من رحمة الله ( الثاني ) الراحة ( الثالث ) الفرح ، وأصل الروح السعة ، ومنه الروح لسعة ما بين الرجلين دون الفحج ، وقرئ ، { فروح } بضم الراء بمعنى الرحمة .
المسألة الثانية : في الكلام إضمار تقديره : فله روح أفصحت الفاء عنه لكونه فاء الجزاء لربط الجملة بالشرط فعلم كونها جزاء ، وكذلك إذا كان أمرا أو نهيا أو ماضيا ، لأن الجزاء إذا كان مستقبلا يعلم كونه جزاء بالجزم الظاهر في السمع والخط ، وهذه الأشياء التي ذكرت لا تحتمل الجزم ، أما غير الأمر والنهي فظاهر ، وأما الأمر والنهي فلأن الجزم فيهما ليس لكونهما جزاءين فلا علامة للجزاء فيه ، فاختاروا الفاء فإنها لترتيب أمر على أمر ، والجزاء مرتب على الشرط .
المسألة الثالثة : في الريحان ، وقد تقدم تفسيره في قوله تعالى : { ذو العصف والريحان } ولكن هاهنا فيه كلام ، فمنهم من قال : المراد هاهنا ما هو المراد ثمة ، إما الورق وإما الزهر وإما النبات المعروف ، وعلى هذا فقد قيل : إن أرواح أهل الجنة لا تخرج من الدنيا إلا ويؤتى إليهم بريحان من الجنة يشمونه ، وقيل : إن المراد هاهنا غير ذلك وهو الخلود ، وقيل : هو رضاء الله تعالى عنهم فإذا قلنا : الروح هو الرحمة فالآية كقوله تعالى : { يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان وجنات لهم فيها نعيم مقيم } وأما : { جنة نعيم } فقد تقدم القول فيها عند تفسير السابقين في قوله : { أولئك المقربون في جنات النعيم } وذكرنا فائدة التعريف هناك وفائدة التنكير هاهنا .
المسألة الرابعة : ذكر في حق المقربين أمورا ثلاثة هاهنا وفي قوله تعالى : { يبشرهم ربهم } وذلك لأنهم أتوا بأمور ثلاثة وهي : عقيدة حقة وكلمة طيبة وأعمال حسنة ، فالقلب واللسان والجوارح كلها كانت مرتبة برحمة الله على عقيدته ، وكل من له عقيدة حقة يرحمه الله ويرزقه الله دائما وعلى الكلمة الطيبة وهي كلمة الشهادة ، وكل من قال : لا إله إلا الله فله رزق كريم والجنة له على أعماله الصالحة ، قال تعالى : { إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله } وقال : { ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى } فإن قيل : فعلى هذا من أتى بالعقيدة الحقة ، ولم يأت بالكلمة الطيبة ينبغي أن يكون من أهل الرحمة ولا يرحم الله إلا من قال : لا إله إلا الله ، نقول : من كانت عقيدته حقة ، لا بد وأن يأتي بالقول الطيب فإن لم يسمع لا يحكم به ، لأن العقيدة لا اطلاع لنا عليها فالقول دليل لنا ، وأما الله تعالى فهو عالم الأسرار ، ولهذا ورد في الأخبار أن من الناس من يدفن في مقابر الكفار ويحشر مع المؤمنين ، ومنهم من يدفن في مقابر المسلمين ويحشر مع الكفار لا يقال : إن من لا يعمل الأعمال الصالحة لا تكون له الجنة على ما ذكرت ، لأنا نقول : الجواب عنه من وجهين ( أحدهما ) أن عقيدته الحقة وكلمته الطيبة لا يتركانه بلا عمل ، فهذا أمر غير واقع وفرض غير جائز ( وثانيهما ) أنا نقول من حيث الجزاء ، وأما من قال : لا إله إلا الله فيدخل الجنة ، وإن لم يعمل عملا لا على وجه الجزاء بل بمحض فضل الله من غير جزاء ، وإن كان الجزاء أيضا من الفضل لكن من الفضل ما يكون كالصدقة المبتدأة ، ومن الفضل مالا كما يعطي الملك الكريم آخر والمهدي إليه غير ملك لا يستحق هديته ولا رزقه .
{ فَرَوْحٌ } أي فله روح على أنه مبتدأ خبره محذوف مقدم عليه لأنه نكرة ، وقيل : خبر مبتدأ محذوف أي فجزاؤه روح أي استراحة ، والفاء واقعة في جواب أما ، قال بعض الأجلة : تقدير هذا الكلام مهما يكن من شيء فروح الخ إن كان من المقربين فحذف مهما يكن من شيء ، وأقيم أما مقامه ولم يحسن أن يلي الفاء أما ، فأوقع الفصل بين أما والفاء بقوله سبحانه : { إِن كَانَ مِنَ المقربين } [ الواقعة : 88 ] لتحسين اللفظ كما يقع الفصل بينهما بالظرف والمفعول ، والفاء في { فَرَوْحٌ } وأخويه جواب أما دون { إن } ، وقال أبو البقاء : جواب أما { فَرَوْحٌ } ، وأما { إن } فاستغنى بجواب أما عن جوابها لأنه يحذف كثيراً ، وفي «البحر » أنه إذا اجتمع شرطان فالجواب للسابق منهما ، وجواب الثاني محذوف ، فالجواب ههنا لأما ، وهذا مذهب سيبويه .
وذهب الفارسي إلى أن المذكور جواب { إن } وجواب أما محذوف ، وله قول آخر موافق لمذهب سيبويه .
وذهب الأخفش إلى أن المذكور جواب لهما معاً ، وقد أبطلنا المذهبين في شرح التسهيل انتهى ، والمشهور أنه لا بد من لصوق الاسم لأما وهو عند الرضي وجماعة أكثري لهذه الآية ، والذاهبون إلى الأول قالوا : هي بتقدير فأما المتوفى { إِن كَانَ } وتعقب بأنه لا يخفى أن التقدير مستغنى عنه ولا دليل عليه إلا اطراد الحكم ، ثم إن كون أما قائمة مقام مهما يكن أغلبي إذ لا يطرد في نحو أما قريشاً فأنا أفضلها إذ التقدير مهما ذكرت قريشاً فأنا أفضلها ، وتمام الكلام في هذا المقام يطلب من كتب العربية .
وأخرج الإمام أحمد . والبخاري في تاريخه . وأبو داود . والنسائي . والترمذي وحسنه . والحاكم وصححه . وآخرون عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ { فَرَوْحٌ } بضم الراء ، وبه قرأ ابن عباس . وقتادة . ونوح القارىء . والضحاك . والأشهب . وشعيب . وسليمان التيمي . والربيع بن خيثم . ومحمد بن علي . وأبو عمران الجوني . والكلبي . وفياض . وعبيد . وعبد الوارث عن أبي عمرو . ويعقوب بن حسان . وزيد . ورويس عنه . والحسن وقال : { الروح } الرحمة لأنها كالحياة للمرحوم ، أو سبب لحياته الدائمة فإطلاقه عليها من باب الاستعارة أو المجاز المرسل ، وروي هذا عن قتادة أيضاً ، وقال ابن جني : معنى هذه القراءة يرجع إلى معنى الروح فكأنه قيل : فله ممسك روح وممسكها هو الروح كما تقول : الهواء هو الحياة وهذا السماع هو العيش ، وفسر بعضهم الروح بالفتح الرحمة أيضاً كما في قوله تعالى : { وَلاَ تَايْئَسُواْ مِن رَّوْحِ الله } [ يوسف : 87 ] وقيل : هو بالضم البقاء { وَرَيْحَانٌ } أي ورزق كما روي عن ابن عباس . ومجاهد . والضحاك ، وفي رواية أخرى عن الضحاك أنه الاستراحة ، وأخرج عبد بن حميد عن الحسن أنه قال : هو هذا الريحان أي المعروف .
وأخرج ابن جرير عنه أنه قال : تخرج روح المؤمن من جسده في ريحانة ؛ ثم قرأ { فَأَمَّا إِن كَانَ } [ الواقعة : 88 ] الخ .
وأخرج ابن جرير . وابن أبي حاتم عن أبي العالية قال : لم يكن أحد من المقربين يفارق الدنيا حتى يؤتى بغصنين من ريحان الجنة فيشمهما ثم يقبض { وجنات نَعِيمٍ } أي ذات تنعم فالإضافة لامية أولادنى ملابسة ، وهذا إشارة إلى مكان المقربين بحيث يلزم منه أن يكونوا أصحاب نعيم .
وأخرج الإمام أحمد في الزهد . وابن أبي شيبة . وعبد بن حميد . وابن المنذر عن الربيع بن خيثم قال في قوله تعالى : { فَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ المقربين فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ } : هذا له عند الموت ، وفي قوله تعالى : { وَجَنَّة نَعِيمٍ } تخبأ له الجنة إلى يوم يبعث ولينظر ما المراد بالريحان على هذا ، وعن بعض السلف ما يقتضي أن يكون الكل في الآخرة .
{ ف } لهم { رَوْحٌ } أي : راحة وطمأنينة ، وسرور وبهجة ، ونعيم القلب والروح ، { وَرَيْحَانٌ } وهو اسم جامع لكل لذة بدنية ، من أنواع المآكل والمشارب وغيرهما ، وقيل : الريحان هو الطيب المعروف ، فيكون تعبيرا بنوع الشيء عن جنسه العام{[976]}
{ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ } جامعة للأمرين كليهما ، فيها ما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر ، فيبشر المقربون عند الاحتضار بهذه البشارة ، التي تكاد تطير منها الأرواح من الفرح والسرور .
كما قال تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أن لَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ }
وقد أول قوله{[977]} تبارك تعالى : { لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ } أن هذه البشارة المذكورة ، هي البشرى في الحياة الدنيا .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.