{ ألم تر أن الله خلق السموات والأرض بالحق إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد }
واعلم أنه تعالى لما تمم هذا المثال قال : { ألم تر أن الله خلق السموات والأرض بالحق } وفيه مسائل :
المسألة الأولى : وجه النظم أنه تعالى لما بين أن أعمالهم تصير باطلة ضائعة ، بين أن ذلك البطلان والإحباط إنما جاء بسبب صدر منهم وهو كفرهم بالله وإعراضهم عن العبودية فإن الله تعالى لا يبطل أعمال المخلصين ابتداء ، وكيف يليق بحكمته أن يفعل ذلك وأنه تعالى ما خلق كل هذا العالم إلا لداعية الحكمة والصواب .
المسألة الثانية : قرأ حمزة والكسائي : { خالق السموات والأرض } على اسم الفاعل على أنه خبر أن ، والسموات والأرض على الإضافة كقوله : { فاطر السموات والأرض } . { فالق الإصباح } . و { جعل الليل سكنا } والباقون خلق على فعل الماضي : { السموات والأرض } بالنصب لأنه مفعول .
المسألة الثالثة : قوله : { بالحق } نظير لقوله في سورة يونس : { وما خلق الله ذلك إلا بالحق } ولقوله في آل عمران : { ربنا ما خلقت هذا باطلا } ولقوله في ص : { وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا } ، أما أهل السنة فيقولون ( إلا بالحق ) وهو دلالتهما على وجود الصانع وعلمه وقدرته ، وأما المعتزلة فيقولون : إلا بالحق ، أي لم يخلق ذلك عبثا بل لغرض صحيح .
ثم قال تعالى : { إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد } والمعنى : أن من كان قادرا على خلق السموات والأرض بالحق ، فبأن يقدر على إفناء قوم وإماتتهم وعلى إيجاد آخرين وإحيائهم كان أولى ، لأن القادر على الأصعب الأعظم بأن يكون قادرا على الأسهل الأضعف أولى . قال ابن عباس : هذا الخطاب مع كفار مكة ، يريد أميتكم يا معشر الكفار ، وأخلق قوما خيرا منكم وأطوع منكم .
{ أَلَمْ تَرَ } خطاب للرسول صلى الله عليه وسلم والمراد به أمته الذين بعث إليهم ، وقيل : خطاب لكل واحد من الكفرة لقوله تعالى : { إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ } والرؤية رؤية القلب ، وقوله تعالى : { أَنَّ الله خَلَقَ * السموات والارض } ساد مسد مفعوليها أي ألم تعلم أنه تعالى خلقهما { بالحق } أي ملتبسة بالحكمة والوجه الصحيح الذي يحق أن يخلق عليه . وقرأ السلمي { أَلَمْ تَرَ } بسكون الراء ووجهه أنه أجرى الوصل مجرى الوقف ، قال أبوحيان : وتوجيه آخر وهو أن { تَرَى } حذفت العرب ألفها في قولهم : قام القوم ولو تر ما زيد كما حذفت ياء لا أبالي وقالوا لا أبال فلما دخل الجازم تخيل أن الراء هي آخر الكلمة فسكنت للجازم كما قالوا في لا أبال لم أبل ، تخيلوا اللام آخر الكلمة ، والمشهور التوجيه الأول . وقرأ الأخوان { خالق * السموات والارض } بصيغة اسم الفاعل والإضافة وجر { الارض } .
{ إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ } يعدمكم أيها الناس كما قاله جماعة أو أيها الكفرة كما روى عن ابن عباس بالمرة { وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ } أي يخلق بدلكم خلقاً مستأنفاً لا علاقة بينكم وبينهم ، والجمهور على أنه من جنس الآدميين ، وذهب آخرون إلى أنه أعم من أن يكون من ذلك الجنس أو من غيره ، أورد سبحانه هذه الشرطية بعد أن ذكر خلقه السموات والأرض إرشاداً إلى طريق الاستدلال فإن من قدر على خلق مثل هاتيك الأجرام العظيم كان على إعدام المخاطبين وخلق آخرين بدلهم أقدر ولذلك قال سبحانه :
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.