مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{مَّا تَسۡبِقُ مِنۡ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسۡتَـٔۡخِرُونَ} (5)

أما قوله : { ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون } ففيه مسائل :

المسألة الأولى : قال الواحدي : من في قوله : { من أمة } زائدة مؤكدة كقولك : ما جاءني من أحد ، وقال آخرون : إنها ليست بزائدة لأنها تفيد التبعيض أي هذا الحكم لم يحصل في بعض من أبعاض هذه الحقيقة فيكون ذلك في إفادة عموم النفي آكد .

المسألة الثانية : قال صاحب «النظم » معنى سبق إذا كان واقعا على شخص كان معناه أنه جاوز وخلف كقولك سبق زيد عمرا ، أي جاوزه وخلفه وراءه ، ومعناه أنه قصر عنه وما بلغه ، وإذا كان واقعا على زمان كان بالعكس في ذلك ، كقولك : سبق فلان عام كذا معناه مضى قبل إتيانه ولم يبلغه ، فقوله : { ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون } معناه أنه لا يحصل ذلك الأجل قبل ذلك الوقت ولا بعده ، بل إنما يحصل في ذلك الوقت بعينه ، والسبب فيه أن اختصاص كل حادث بوقته المعين دون الوقت الذي قبله أو بعده ليس على سبيل الاتفاق الواقع ، لا عن مرجح ولا عن مخصص فإن رجحان أحد طرفي الممكن على الآخر لا لمرجح محال ، وإنما اختص حدوثه بذلك الوقت المعين لأن إله العالم خصصه به بعينه ، وإذا كان كذلك ، فقدرة الإله وإرادته اقتضتا ذلك التخصيص علمه وحكمته تعلقا بذلك الاختصاص بعينه ، ولما كان تغير صفات الله تعالى أعني القدرة والإرادة والعلم والحكمة ممتنعا كان تغير ذلك الاختصاص ممتنعا .

إذا عرفت هذا فنقول : هذا الدليل بعينه قائم في أفعال العباد أعني أن الصادر من زيد هو الإيمان والطاعة ، ومن عمرو هو الكفر والمعصية ، فوجب أن يمتنع دخول التغير فيهما . فإن قالوا : إنما يلزم هذا لو كان المقتضي لحدوث الكفر والإيمان من زيد وعمرو هو قدرة الله تعالى ومشيئته . أما إذا قلنا : المقتضى لذلك هو قدرة زيد وعمرو ومشيئتهما سقط ذلك .

قلنا : قدرة زيد وعمرو مشيئتهما إن كانتا موجبتين لذلك الفعل المعين فخالق تلك القدرة والمشيئة الموجبتين لذلك الفعل هو الذي قدر ذلك الفعل بعينه فيعود الإلزام ، وإن لم تكونا موجبتين لذلك الفعل بل كانتا صالحتين له ولضده ، كان رجحان أحد الطرفين على الآخر لم يكن لمرجح ، فقد عاد الأمر إلى أنه حصل ذلك الاختصاص لا لمخصص وهو باطل ، وإن كان لمخصص فذلك المخصص إن كان هو العبد عاد البحث ولزم التسلسل ، وإن كان هو الله تعالى فحينئذ يعود البحث إلى أن فعل العبد إنما تعين وتقدر بتخصيص الله تعالى ، وحينئذ لا يعود الإلزام .

المسألة الثالثة : دلت الآية على أن كل من مات أو قتل فإنما مات بأجله ، وإن من قال : يجوز بأن يموت قبل أجله فمخطئ .

فإن قالوا : هذا الاستدلال إنما يتم إذا حملنا قوله : { ومآ أهلكنا } على الموت ، أما إذا حملناه على عذاب الاستئصال فكيف يلزم .

قلنا : قوله : { وما أهلكنا } إما أن يدخل تحته الموت أو لا يدخل ، فإن دخل فالاستدلال ظاهر لازم ، وإن لم يدخل فنقول : إن ما لأجله وجب في عذاب الاستئصال أن لا يتقدم ولا يتأخر عن وقته المعين قائم في الموت ، فوجب أن يكون الحكم ههنا كذلك ، والله أعلم .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{مَّا تَسۡبِقُ مِنۡ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسۡتَـٔۡخِرُونَ} (5)

{ مَّا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ } من الأمم المهلكة وغيرهم فمن مزيدة للاستغراق ، وقيل : إنها للتبعيض وليس بذاك { أَجَلُهَا } المكتوب في كتابها أي لا يجىء هلاكها قبل مجىء كتابها أو لا تمضي أمة قبل مضي أجلها ، فإن السبق كما نقل الإمام عن الخليل إذا كان واقعاً على زماني فمعناه المجاوزة والتخليف فإذا قلت : سبق زيد عمراً فمعناه أنه جاوزه وخلفه وراءه وإن عمراً قصرا عنه ولم يبلغه وإذا كان واقعاً على زمان كان على عكس ذلك فإذا قلت سبق فلان عام كذا كان معناه مضى قبل إتيانه ولم يبلغه ؛ والسر في ذلك على ما في إرشاد العقل السليم أن الزمان يعتبر فيه الحركة والتوجه فما سبقه يتحقق قبل تحققه وأما الزماني فإنما يعتبر فيه الحركة والتوجه إلى ما سيأتي من الزمان فالسابق ما تقدم إلى المقصد ، وإيراده بعنوان الأجل باعتبار ما يقتضيه من السبق كما أن إيراده بعنوان الكتاب باعتبار ما يوجبه من الإهلاك { وَمَا يَسْتَخِرُونَ } أي وما يتأخرون .

وصيغة الاستفعال للإشعار بعجزهم عن ذلك مع طلبهم له ، وإيثار صيغة المضارع في الفعلين بعدما ذكر نفي الإهلاك بصيغة الماضي لأن المقصود بيان دوامهما فيما بين الأمم الماضية والباقية ، وله نظائر في كتاب الكريم وإسنادهما إلى الأمة بعد إسناد الإهلاك إلى القرية لما أن السبق والاستئخار حال الأمة بدون القرية مع ما في الأمة من العموم لأهل تلك القرى وغيرهم ممن أخرت عقوباتهم إلى الآخرة ، وتأخير عدم سبقهم مع كون المقام مقام المبالغة في بيان تحقق عذابهم إما باعتبار تقدم السبق في الوجود وإما باعتبار أن المراد بيان سر تأخير عذابهم مع استحقاقهم لذلك ، وأورد الفعل على صيغة جمع المذكر رعاية لمعنى { أُمَّةٍ } مع التغليب كما روعي لفظها أولاً مع رعاية الفواصل ولهذا حذف الجار والمجرور ، والجملة مبينة لما سبق ولذا فصلت ، والمعنى أن تأخير عذابهم إلى يوم الودادة حسبما أشير إليه إنما هو لتأخير أجلهم المقدر لما يقتضيه من الحكم ومن جملة ذلك ما علم الله تعالى من إيمان بعض من يخرج منهم قاله شيخ الإسلام . واستدل بالآية على أن كل من مات أو قتل فإنما هو ميت بأجله وقد بين ذلك الإمام .