المرتبة الرابعة : قوله : { إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون } وهذا يجري مجرى التهديد لأن في المرتبة الأولى رغب في ترك الانتقام على سبيل الرمز ، وفي المرتبة الثانية عدل عن الرمز إلى التصريح وهو قوله : { ولئن صبرتم لهو خير للصابرين } وفي المرتبة الثالثة : أمرنا بالصبر على سبيل الجزم ، وفي هذه المرتبة الرابعة كأنه ذكر الوعيد في فعل الانتقام فقال : { إن الله مع الذين اتقوا } عن استيفاء الزيادة : { والذين هم محسنون } في ترك أصل الانتقام ، فإن أردت أن أكون معك فكن من المتقين ومن المحسنين . ومن وقف على هذا الترتيب عرف أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يجب أن يكون على سبيل الرفق واللطف مرتبة فمرتبة ، ولما قال الله لرسوله : { ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة } ذكر هذه المراتب الأربعة ، تنبيها على أن الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة يجب أن تكون واقعة على هذا الوجه ، وعند الوقوف على هذه اللطائف يعلم العاقل أن هذا الكتاب الكريم بحر لا ساحل له .
المسألة الثالثة : قوله : { إن الله مع الذين اتقوا } معيته بالرحمة والفضل والرتبة ، وقوله : { الذين اتقوا } إشارة إلى التعظيم لأمر الله تعالى ، وقوله : { والذين هم محسنون } إشارة إلى الشفقة على خلق الله ، وذلك يدل على أن كمال السعادة للإنسان في هذين الأمرين أعني التعظيم لأمر الله تعالى والشفقة على خلق الله ، وعبر عنه بعض المشايخ فقال : كمال الطريق صدق مع الحق . وخلق مع الخلق ، وقال الحكماء : كمال الإنسان في أن يعرف الحق لذاته ، والخير لأجل العمل به ، وعن هرم بن حيان أنه قيل له عند القرب من الوفاة أوص ، فقال : إنما الوصية من المال ولا مال لي ، ولكني أوصيكم بخواتيم سورة النحل .
المسألة الرابعة : قال بعضهم : إن قوله تعالى : { وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين } منسوخ بآية السيف ، وهذا في غاية البعد ، لأن المقصود من هذه الآية تعليم حسن الأدب في كيفية الدعوة إلى الله تعالى ، وترك التعدي وطلب الزيادة ، ولا تعلق لهذه الأشياء بآية السيف ، وأكثر المفسرين مشغوفون بتكثير القول بالنسخ ، ولا أرى فيه فائدة والله أعلم بالصواب .
قال المصنف رحمه الله : تم تفسير هذه السورة ليلة الثلاثاء بعد العشاء الآخرة بزمان معتدل ، وقال رحمه الله : الحق عزيز والطريق بعيد . والمركب ضعيف . والقرب بعد . والوصل هجر . والحقائق مصونة . والمعاني في غيب الغيب محصونة . والأسرار فيما وراء العز مخزونة ، وبيد الخلق القيل والقال . والكمال ليس إلا لله ذي الإكرام والجلال ، والحمد لله رب العالمين ، وصلاته على سيدنا محمد النبي الأمي وآله وصحبه وسلم .
{ إِنَّ الله مَعَ الذين اتقوا } تعليل لما سبق من الأمر وانلهي ، والمراد بالمعية الولاية الدائمة التي لا يحول حول صاحبها شيء من الجزع والحزن وضيق الصدر وما يشعر به دخول كلمة { مَّعَ } من متبوعية المتقين من حيث أنهم المباشرون للتقوى ، والمراد بها هنا أعلى مراتبها أعني التنزع عن كل ما يشغل السر عن الحق سبحانه والتبتل إليه تعالى بالكلية لأن ذلك هو المورث لولايته عز وجل المقرونة ببشارة { أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء الله لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } [ يونس : 62 ] والمعنى أن الله تعالى ولي الذين تبتلوا إليه سبحانه بالكلية وتنزهوا عن كل ما يشغل سرهم عنه عز وجل فلم يخطر ببالهم شيء من مطلوب أو محذور فضلاً عن الحزن عليه فواتاً أو وقوعاً وهو المعنى بما به الصبر المأمور به على أول الاحتمالات السالفة وبذلك يحصل التقريب ويتم التعليل وإلا فمجرد التوقي عن المعاصي لا يكون مداراً لشيء من العزائم المرخص في تركها فكيف بالصبر المشار إليه ورديفيه وإنما مداره المعنى المذكور فكأنه قيل : إن الله مع الذين صبروا ، وإنما أوثر عليه ما في النظم الكريم مبالغة في الحث على الصبر بالتنبيه على أنه من خصائص أجل النعوت الجليلة وروادفه كما أن قوله تعالى : { والذين هُم مُّحْسِنُونَ } للاشعار بأنه من باب الاحسان الذي فيه يتنافس المتنافسون على ما يؤذن بذلك قوله تعالى : { واصبر فَإِنَّ الله لاَ يُضِيعُ أَجْرَ المحسنين } [ هود : 115 ] وقد نبه سبحانه على أن كلا من الصبر والتقوى من قبيل الإحسان بقوله تعالى : { إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيِصْبِرْ فَإِنَّ الله لاَ يُضِيعُ أَجْرَ المحسنين } [ يوسف : 90 ] وحقيقة الإحسان الإتسان بالأعمال على الوجه اللائق ، وقد فسره صلى الله عليه وسلم بأن تعبد الله تعالى كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك ، وتكرير الموصول للإيذان بكفاية كل من الصلتين في ولايته سبحانه من غير أن تكون احداهما تتمة للأخرى ، وإيراد الأول فعلية للدلالة على الحدوث كما أن إيراد الثانية اسمية لافادة كون مضمونها شيمة راسخة لهم ، وتقديم التقوى على الإحسان لما أن التخلية مقدمة على التحلية ، والمراد بالموصولين اما جنس المتقين والمحسنين ويدخل عليه الصلاة والسلام في زمرتهم دخولاً أولياً وإما هو صلى الله عليه وسلم وأشياعه رضي الله تعالى عنهم وعبر بذلك عنهم مدحاً لهم وثناء عليهم بالنعتين الجمليلين ، وفيه رمز إلى أن صنيعه عليه الصلاة والسلام مستتبع لاقتداء الأمة به كقول من قال لابن عباس رضي الله تعالى عنهما عند التعزية :
اصبر نكن بك صابرين وإنما . . . صبر الرعية عند صبر الرأس
قال كل ذلك في إرشاد العقل السليم ، وإلى كون الجملة في موضع التعليل لما سبق ذهب العلامة الطيبي حيث قال : إنه تعالى لما أمر حبيبه بالصبر على أذى المخالفين ونهاه عن الحزن على عنادهم وآبائهم الحق وعما يلحقه من مكرهم وخداعهم علل ذلك بقوله سبحانه : { حَكِيمٌ إِنَّ الله } الخ أي لا تبال بهم وبمكرهم لأن الله تعالى وليك ومحبك وناصرك ومبغضهم وخاذلهم ، وعمم الحكم أرشاداً للاقتداء به عليه الصلاة والسلام ، وفي تعريض بالمخالفين وبخذلانهم كما صرح به في قوله تعالى :
{ ذَلِكَ بِأَنَّ الله مَوْلَى الذين ءامَنُواْ وَأَنَّ الكافرين لاَ مولى لَهُمْ } [ محمد : 11 ] وذكر أن إيراد الجلمة الثانية اسمية وبناء { مُّحْسِنُونَ } على { هُمْ } على سبيل التقوى مؤذن باستدامة الإحسان واستحكامه وهو مستلزم لاستمرار التقوى لأن الإحسان إنما يتم إذا لم يعد إلى ما كان عليه من الإساءة ، وإليه الإشارة بما ورد «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه » وما ذكر من حمل التقوى على أعلى مراتبها غير متعين ، وما ذكره في بيانه لا يخلو عن نظركما لا يخفى على المتأمل ، وقد أخرج ابن جرير . وابن المنذر . وابن أبي حاتم . وغيرهم عن الحسن أنه قال في الآية : اتقوا فيما حرم الله تعالى عليهم وأحسنوا فيما افترض عليهم ، ويوهم كلام بعضهم أن اجلملة في موضع التعليل للأمر بالمعاقبة بالمثل حيث قال : إن المعنى إن الله بالعون والحرمة والفضل مع الذين خافوا عقاب الله تعالى وأشفقوا منه فشفقوا على خلقه بعد الإسراف في المعاقبة ، وفسر الاحسان بترك الاساءة كما قيل :
ترك الإساءة احسان وإجمال . . . ولا يخفى ما فيه من البعد ، وقد اشتملت هذه الآيات على تعليم حسن الأدب في الدعوة وترك التعدي والأمر بالصبر على المكروه مع البشارة للمتقين المحسنين ، وقد أخرج سعيد بن منصور . وابن جرير . وغيرهما عن هرم بن حيان أنه قيل له حين الاحتضار : أوصى فقال : إنما الوصية من المال ولا مال لي وأوصيكم بخواتيم سورة النحل هذا .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.