مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{وَجَعَلۡنَا ٱلَّيۡلَ وَٱلنَّهَارَ ءَايَتَيۡنِۖ فَمَحَوۡنَآ ءَايَةَ ٱلَّيۡلِ وَجَعَلۡنَآ ءَايَةَ ٱلنَّهَارِ مُبۡصِرَةٗ لِّتَبۡتَغُواْ فَضۡلٗا مِّن رَّبِّكُمۡ وَلِتَعۡلَمُواْ عَدَدَ ٱلسِّنِينَ وَٱلۡحِسَابَۚ وَكُلَّ شَيۡءٖ فَصَّلۡنَٰهُ تَفۡصِيلٗا} (12)

قوله تعالى { وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة لتبتغوا فضلا من ربكم ولتعلموا عدد السنين والحساب وكل شيء فصلناه تفصيلا } .

في الآية مسائل :

المسألة الأولى : في تقرير النظم وجوه :

الوجه الأول : أنه تعالى لما بين في الآية المتقدمة ما أوصل إلى الخلق من نعم الدين وهو القرآن أتبعه ببيان ما أوصل إليهم من نعم الدنيا فقال : { وجعلنا الليل والنهار آيتين } وكما أن القرآن ممتزج من المحكم والمتشابه ، فكذلك الدهر مركب من النهار والليل . فالمحكم كالنهار ، والمتشابه كالليل ، وكما أن المقصود من التكليف لا يتم إلا بذكر المحكم والمتشابه ، فكذلك الوقت والزمان لا يكمل الانتفاع به إلا بالنهار والليل .

والوجه الثاني : في تقرير النظم أنه تعالى لما بين في الآية المتقدمة أن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ، وذلك الأقوم ليس إلا ذكر الدلائل الدالة على التوحيد والنبوة ، لا جرم أردفه بذكر دلائل التوحيد ، وهو عجائب العالم العلوي والسفلي .

الوجه الثالث : أنه لما وصف الإنسان بكونه عجولا أي منتقلا من صفة إلى صفة ومن حالة إلى حالة ، بين أن كل أحوال هذا العالم كذلك ، وهو الانتقال من النور إلى الظلمة وبالضد ، وانتقال نور القمر من الزيادة إلى النقصان وبالضد ، والله أعلم .

المسألة الثانية : في قوله : { وجعلنا الليل والنهار آيتين } قولان :

القول الأول : أن يكون المراد من الآيتين نفس الليل والنهار . والمعنى : أنه تعالى جعلهما دليلين للخلق على مصالح الدين والدنيا . أما في الدين : فلأن كل واحد منهما مضاد للآخر مغاير له ، مع كونهما متعاقبين على الدوام ، من أقوى الدلائل على أنهما غير موجودين لذاتهما ، بل لابد لهما من فاعل يدبرهما ويقدرهما بالمقادير المخصوصة ، وأما في الدنيا : فلأن مصالح الدنيا لا تتم إلا بالليل والنهار ، فلولا الليل لما حصل السكون والراحة ، ولولا النهار لما حصل الكسب والتصرف في وجوه المعاش .

ثم قال تعالى : { فمحونا آية الليل } وعلى هذا القول : تكون الإضافة في آية الليل والنهار للتبيين ، والتقدير : فمحونا الآية التي هي الليل وجعلنا الآية التي هي نفس النهار مبصرة ، ونظيره قولنا : نفس الشيء وذاته ، فكذلك آية الليل هي نفس الليل . ويقال أيضا : دخلت بلاد خراسان أي دخلت البلاد التي هي خراسان ، فكذلك ههنا .

القول الثاني : أن يكون المراد وجعلنا نيري الليل والنهار آيتين يريد الشمس والقمر ، فمحونا آية الليل وهي القمر ، وفي تفسير محو القمر قولان :

القول الأول : المراد منه ما يظهر في القمر من الزيادة والنقصان في النور ، فيبدو في أول الأمر في صورة الهلال ، ثم لا يزال يتزايد نوره حتى يصير بدرا كاملا ، ثم يأخذ في الانتقاص قليلا قليلا ، وذلك هو المحو ، إلى أن يعود إلى المحاق .

والقول الثاني : المراد من محو القمر الكلف الذي يظهر في وجهه يروى أن الشمس والقمر كانا سواء في النور والضوء ، فأرسل الله جبريل عليه الصلاة والسلام فأمر جناحه على وجه القمر فطمس عنه الضوء . ومعنى المحو في اللغة : إذهاب الأثر ، تقول : محوته أمحوه وانمحى وامتحى : إذا ذهب أثره ، وأقول : حمل المحو في هذه الآية على الوجه الأول أولى ، وذلك لأن اللام في قوله : { لتبتغوا فضلا من ربكم ولتعلموا عدد السنين والحساب } متعلق بما هو مذكور قبل ، وهو محو آية الليل . وجعل آية النهار مبصرة ومحو آية الليل إنما يؤثر في ابتغاء فضل الله . إذا حملنا المحو على زيادة نور القمر ونقصانه ، لأن سبب حصول هذه الحالة يختلف بأحوال نور القمر ، وأهل التجارب بينوا أن اختلاف أحوال القمر في مقادير النور له أثر عظيم في أحوال هذا العالم ومصالحه ، مثل أحوال البحار في المد والجزر ، ومثل أحوال التجربات على ما يذكره الأطباء في كتبهم ، وأيضا بسبب زيادة نور القمر ونقصانه يحصل الشهور ، وبسبب معاودة الشهور يحصل السنون العربية المبنية على رؤية الأهلية كما قال : { ولتعلموا عدد السنين والحساب } فثبت أن حمل المحو على ما ذكرناه أولى . وأقول أيضا : لو حملنا المحو على الكلف الحاصل في وجه القمر ، فهو أيضا برهان عظيم قاهر على صحة قول المسلمين في المبدأ والمعاد ، أما دلالته على صحة قولهم في المبدأ ، فلأن جرم القمر جرم بسيط عند الفلاسفة ، فوجب أن يكون متشابه الصفات ، فحصول الأحوال المختلفة الحاصلة بسبب المحو يدل على أنه ليس بسبب الطبيعة ، بل لأجل أن الفاعل المختار خصص بعض أجزائه بالنور القوي ، وبعض أجزائه بالنور الضعيف ، وذلك يدل على أن مدبر العالم فاعل مختار لا موجب بالذات . وأحسن ما ذكره الفلاسفة في الاعتذار عنه ، أنه ارتكز في وجه القمر أجسام قليلة الضوء ، مثل ارتكاز الكواكب في أجرام الأفلاك ، فلما كانت تلك الأجرام أقل ضوأ من جرم القمر ، لا جرم شوهدت تلك الأجرام في وجه القمر كالكلف في وجه الإنسان ، وهذا لا يفيد مقصود الخصم ، لأن جرم القمر لما كان متشابه الأجزاء فلم ارتكزت تلك الأجرام الظلمانية في بعض أجزاء القمر دون سائر الأجزاء ؟ وبمثل هذا الطريق يتمسك في أحوال الكواكب ، وذلك لأن الفلك جرم بسيط متشابه الأجزاء فلم لم يكن حصول جرم الكواكب في بعض جوانبه أولى من حصوله في سائر الجوانب ؟ وذلك يدل على أن اختصاص ذلك الكوكب بذلك الموضع المعين من الفلك لأجل تخصيص الفاعل المختار ، وكل هذه الدلائل إنما يراد من تقريرها وإيرادها التنبيه على أن المؤثر في العالم فاعل بالاختيار لا موجب بالذات ، والله أعلم .

أما قوله : { وجعلنا آية النهار مبصرة } ففيه وجهان : الأول : أن معنى كونها مبصرة أي مضيئة وذلك لأن الإضاءة سبب لحصول الإبصار ، فأطلق اسم الإبصار على الإضاءة إطلاقا لاسم المسبب على السبب . والثاني : قال أبو عبيدة يقال : قد أبصر النهار إذا صار الناس يبصرون فيه ، كقوله : رجل مخبث إذا كان أصحابه خبثاء ، ورجل مضعف إذا كانت ذراريه ضعافا ، فكذا قوله : { والنهار مبصرا } ، أي أهله بصراء .

واعلم أنه تعالى ذكر في آيات كثيرة منافع الليل والنهار ، قال : { وجعلنا الليل لباسا * وجعلنا النهار معاشا } وقال أيضا : { جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله } .

ثم قال تعالى : { ولتبتغوا فضلا من ربكم } أي لتبصروا كيف تتصرفون في أعمالكم { ولتعلموا عدد السنين والحساب } .

واعلم أن الحساب مبني على أربع مراتب : الساعات والأيام والشهور والسنون ، فالعدد للسنين ، والحساب لما دون السنين ، وهي الشهور والأيام والساعات ، وبعد هذه المراتب الأربع لا يحصل إلا التكرار ، كما أنهم رتبوا العدد على أربع مراتب : الآحاد والعشرات والمئات والألوف ، وليس بعدها إلا التكرار ، والله أعلم .

ثم قال : { وكل شيء فصلناه تفصيلا } والمعنى : أنه تعالى لما ذكر أحوال آيتي الليل والنهار وهما من وجه دليلان قاطعان على التوحيد ، ومن وجه آخر نعمتان عظيمتان من الله تعالى على أهل الدنيا ، فلما شرح الله تعالى حالهما وفصل ما فيهما من وجوه الدلالة على الخالق ومن وجوه النعم العظيمة على الخلق ، كان ذلك تفصيلا نافعا وبيانا كاملا ، فلا جرم قال : { وكل شيء فصلناه تفصيلا } أي كل شيء بكم إليه حاجة في مصالح دينكم ودنياكم ، فقد فصلناه وشرحناه ، وهو كقوله تعالى : { ما فرطنا في الكتاب من شيء } وقوله : { ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء } وقوله : { تدمر كل شيء بأمر ربها } وإنما ذكر المصدر وهو قوله : { تفصيلا } لأجل تأكيد الكلام وتقريره ، كأنه قال : وفصلناه حقا وفصلناه على الوجه الذي لا مزيد عليه ، والله أعلم .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَجَعَلۡنَا ٱلَّيۡلَ وَٱلنَّهَارَ ءَايَتَيۡنِۖ فَمَحَوۡنَآ ءَايَةَ ٱلَّيۡلِ وَجَعَلۡنَآ ءَايَةَ ٱلنَّهَارِ مُبۡصِرَةٗ لِّتَبۡتَغُواْ فَضۡلٗا مِّن رَّبِّكُمۡ وَلِتَعۡلَمُواْ عَدَدَ ٱلسِّنِينَ وَٱلۡحِسَابَۚ وَكُلَّ شَيۡءٖ فَصَّلۡنَٰهُ تَفۡصِيلٗا} (12)

{ وَجَعَلْنَا اليل والنهار ءايَتَيْنِ } هذا على ما قيل شروع في بيان بعض ما ذكر من الهداية بالإرشاد إلى مسلك الاستدلال بالآيات والدلائل الآفاقية التي كل واحدة منها برهان نير لا ريب فيه ومنهاج بين لا يضل من ينتحيه فإن الجعل المذكور وما عطف عليه وإن كانا من الهدايات التكوينية لكن الأخبار بذلك من الهدايات القرآنية المنبهة على تلك الهدايات .

وذكر الإمام في وجه الربط وجوهاً ، الأول أنه تعالى لما بين في الآية المتقدمة ما أوصل إلى الخلق من نعم الدين وهو القرآن أتبعه ببيان ما أوصل إليهم من نعم الدنيا فقال سبحانه : { وَجَعَلْنَا } الخ ، وكما أن القرآن ممتزج من المحكم والمتشابه كذلك الزمان مشتمل على الليل والنهار وكما أن المقصود من التكليف لا يتم إلا بذكر المحكم والمتشابه فكذلك الزمان لا يكمل الانتفاع به إلا بالنهار والليل ، الثاني أنه تعالى وصف الإنسان بكونه عجولاً أي منتقلاً من صفة إلى صفة ومن حالة إلى حالة بين( {[557]} ) أن كل أحوال العالم كذلك وهو الانتقال من النور إلى الظلمة وبالضد وانتقال نور القمر من الزيادة إلى النقصان وبالضد ، الثالث نحو ما نقلناه أولا ولعله الأولى ، وتقديم الليل لمراعاة الترتيب الوجودي إذ منه ينسلخ النهار وفيه تظهر غرر الشهور العربية ولترتيب غاية النهار عليها بلا واسطة ، ومما يزيد تقديم الليل حسناً افتتاح السورة بقوله سبحانه { سُبْحَانَ الذي أسرى بِعَبْدِهِ لَيْلاً } [ الإسراء : 1 ] والجعل على ما نقل عن السمين بمعني التصيير متعد لاثنين أو بمعنى الخلق متعدلوا حد و { ءايَتَيْنِ } حال مقدرة .

واستشكل الأول الكرماني بأنه يستدعي أن يكون الليل والنهار موجودين على حالة ثم انتقلا منها إلى أخرى وليس كذلك ، ودفع بأنه من باب ضيق فم الركية وهو مجاز معروف واستظهر هذا أبو حيان ، والمعنى جعلنا الملوين بهيآتهما وتعاقبهما واختلافهما في الطول والقصر على وتيرة عجيبة آيتين تدلال على أن لهما صانعاً حكيماً قادراً عليماً ويهديان إلى ما هدى إليه القرآن الكريم من الإسلام والتوحيد .

{ فَمَحَوْنَا ءايَةَ اليل } الإضافة هنا وفيما بعد إما بيانية كما في إضافة العدد إلى المعدود نحو أربع نسوة أي محونا الآية التي هي الليل أي جعلنا الليل ممحو الضوء مطموسة مظلماً لا يستبين فيه شيء كما لا يستبين ما في اللوح الممحو وإلى ذلك ذهب صاحب الكشاف .

وروي عن مجاهد وهو على نحو ضيق فم الركية والفاء تفسيرية لأن المحو المذكور وما عطف عليه ليسا مما يحصل عقيب جعل الجديدين آيتين بل هما من جملة ذلك الجعل ومتمماته ، وقيل معنى محو الليل إزالة ظلمته بالضوء ، ورجح بأن فيه إبقاء المحو على حقيقته وهو إزالة الشيء الثابت وليس فيما ذكره الزمخشري ذلك ولا ينبغي العدول عن الحقيقة بلا ضرورة .

وتعقب بأنه يكفي ما بعده قرينة على تلك الإرادة فإن محو الليل في مقابلة جعل النهار مبصراً ، وعلى ما ذكر من المعنى الحقيقي لا يتعلق بمحو الليل فائدة زائدة على ما بعده ، وقيل عليه إن الظلمة هي الأصل والنور طارىء فكون الليل مخلوقاً مطموس الضوء مفروغ عنه فالمراد بيان أن الله تعالى خلق الزمان ليلاً مظلماً ثم جعل بعضه نهاراً باحداث الاشراق لفائدة ذكرها سبحانه ، وكون محو الليل في مقابلة جعل النهار مضيئاً لا يوجب حمله على المجاز لفائدة بيان إبقاء بعض الزمان على إظلامه وجعل بعضه مضيئاً اه ولا يخفى ما فيه من التكلف وأن المقام لا يلائمه فالمعول عليه ما في الكشاف .

{ وَجَعَلْنَا ءايَةَ النهار } أي الآية التي هي النهار { مُبْصِرَةً } أي مضيئة فهو مجاز بعلاقة السببية أو الإسناد مجازي كما في نهاره صائم والمراد يبصر أهلها أو الصيغة للنسب أي ذات إبصارهم أو هي من أبصره المتعدي أي جعله مبصراً ناظراً والإسناد إلى النهار مجازي أيضاً من الإسناد إلى السبب العادي والفاعل الحقيقي هو الله تعالى أو من باب أفعل المراد به غير من أسند إليه كأضعاف الرجل إذا كانت دوابه ضعافاً وأجبن إذا كان أهله جبناء فأبصرت الآية بمعنى صار أهلها بصراء .

وروى ذلك عن أبي عبيدة وهو معنى وضعي لا مجازي . وقرأ قتادة . وعلى بن الحسين رضي الله عنهما { مُبْصِرَةً } بفتح الميم والصاد وهو مصدر أقيم مقام غيره وكثر مثل ذلك في صفات الأمكنة كارض مسبعة ومكان مضبة وإما إضافة لامية وآيتا الليل والنهار نيراهما القمر والشمس ويحتاج حينئذ في قوله تعالى : { وَجَعَلْنَا اليل والنهار ءايَتَيْنِ } إلى تقدير مضاف في الأول والثاني أي جعلنا نيري الليل والنهار آيتين أو جعلنا الليل والنهار ذوي آيتين أن جعل جعل متعدياً إلى مفعولين والليل والنهار هو المفعول الأول وآيتين الثاني ، فإن عكس كما استظهره أبو حيان وجعل الليل والنهار نصباً على الظرفية في موضع المفعول الثاني أي جعلنا في الليل والنهار آيتين وهما النيران لا يحتاج إلى تقدير كما إذا جعل الجعل متعدياً لواحد والليل والنهار منصوبان على الظرفية كما جوزه المعربون ، ومحو آية الليل وهي القمر على ما تدل عليه الآثار إزالة ما ثبت لها من النور يوم خلقت ، فقد أخرج ابن جرير . وابن المنذر عن ابن عباس في الآية إنه قال كان القمر يضيء كما تضيء الشمس وهو آية الليل فمحى فالسواد الذي في القمر أثر ذلك المحو .

/ وأخرج عبد بن حميد . وغيره عن عكرمة أنه قال : خلق الله تعالى نور الشمس سبعين جزأ ونور القمر سبعين جزأ فمحى من نور القمر تسعة وستين جزأ فجعله مع نور الشمس فالشمس على مائة وتسعة وثلاثين جزأ والقمر على جزء واحد ، وأخرج ابن أبي حاتم عن محمد بن كعب القرظي أنه قال : كانت شمس بالليل وشمس بالنهار فمحى الله تعالى شمس الليل فهو المحو الذي في القمر ، وأخرج البيهقي في دلائل النبوة .

وابن عساكر عن سعيد المقبري أن عبد الله بن سلام سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن السواد الذي في القمر فقال : كانا شمسين وقال قال الله تعالى : { وَجَعَلْنَا اليل والنهار ءايَتَيْنِ فَمَحَوْنَا ءايَةَ اليل } فالسواد الذي رأيت هو المحو ، وفي حديث طويل أخرجه ابن أبي حاتم وابن مردويه بسند واه عن ابن عباس مرفوعاً «أن الله تعالى خلق شمسين من نور عرشه فارسل جبريل عليه السلام فأمر جناحه على وجه القمر وهو يومئذ شمس ثلاث مرات فطمس عنه الضوء وبقي فيه النور وذلك قوله تعالى : { وَجَعَلْنَا اليل والنهار ءايَتَيْنِ } » الآية إلى غير ذلك من الآثار ، والفاء على هذا للتعقيب ، وجعل آية النهار وهي الشمس مبصرة على نحو ما تقدم فتبصر ، وقيل محو القمر اما خلقه كمدا مطموس النور غير مشرق بالذات على ما ذكره أهل الهيئة من أنه غير مضيء في نفسه بل نوره مستفاد من ضوء الشمس فالفاء تفسيرية كما مر وإما نقص ما استفاده من الشمس شيئاً فشيئاً بحسب الرؤية والإحساس إلى أن ينمحق على ما هو معنى المحو فالفاء للتعقيب ، وذكر الإمام في محوه قولين ، احدهما نقص نوره قليلاً قليلاً إلى المحاق ، وثانيهما جعله ذا كلف ثم قال : حمله على الوجه الأول أولى لأن اللام في الفعلين بعد متعلق بما هو المذكور قبل وهو محو آية الليل وجعل آية النهار مبصرة ، ومحو آية الليل إنما يؤثر في ابتغاء فضل الله تعالى إذا حملنا محو القمر على زيادة نورة القمر ونقصانه لأن سبب حصول هذه الآية مختلف باختلاف أحوال نور القمر وأهل التجارب أثبتوا أن اختلاف أحوال القمر في مقادير النور له أثر عظيم في أحوال هذا العالم ومصالحه مثل أحوال البحار في المد والجزر ومثل أحوال البحرانات على ما يذكره الأطباء في كتبهم ، وأيضاً بسبب زيادة نور القمر ونقصانه يحصل الشهور وبسبب معاودة الشهور يحصل السنون العربية المبنية على رؤية الهلال كما قال سبحانه { وَلِتَعْلَمُواْ } الخ ا ه .

وأنت تعلم أنه متى دل أثر صحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما ذكرناه أولا لا ينبغي أن يدعي أن غيره أولى ، وهو لعمري وجه لا كلف فيه عند من له عين مبصرة ، وللفلاسفة في هذا المحو المرئى في وجه القمر كلام طويل لا بأس بأن تحيط به خبراً فنقول : ذكر الإمام في المباحث المشرقية أن امتناع بعض المواضع في وجه القمر عن قبول الضوء التام إما أن يكون بسبب خارج عن جرم القمر أو غير خارج عند فإن كان بسبب خارج فإما أن يكون لمثل ما يعرض للمرايا من وقوعاشباح الأشياء فيها فإذا رؤيت تلك الأشياء لم تر براقة فكذلك القمر لما تصورت فيه أشباح الجبال والبحار وجب أن لا ترى تلك المواضع في غاية الاستنارة ، وإما أن يكون ذلك بسبب ساتر والأول باطل ، أما أولاً فلأن الأشباح لا تنحفظ هيآتها مع حركة المرآة وبتقدير سكونها لا تستقر تلك الأشباح فيها عند اختلاف مقامات الناظرين والآثار التي في وجه القمر ليست كذلك ، وأما ثانياً فلأن القمر ينعكس الضوء عنه إلى البصر وما كان كذلك لم يصلح للتخييل ، وأما ثالثاً فلأنه كان يجب أن تكون تلك الآثار كالكرات لأن الجبال في الآرض كتضريس أو خشونة في سطح كرة وليس لها من المقدار قدر ما يؤثر في كرية الآرض فكيف لأشباحها المرئية في المرآة .

وأما إن كان ذلك بسبب ساتر فذلك الساتر إما أن يكون عنصرياً أو سماوياً والأول باطل ، أما أولا فلأنه كان يجب أن يكون المواضع المتسترة من جرم القمر مختلفة باختلاف مقامات الناظرين ، وأما ثانياً فلأن ذلك الساتر لا يكون هواء صرفاً ولا ناراً صرفة لأنهما شفافان فلا يحجبان بل لا بد وأن يكون مركباً إما بخاراً وإما دخاناً وذلك لا يكون مستمراً ، وأما إن كان الساتر سماوياً فهو الحق وذلك إنما يكون لقيام أجسام سماوية قريبة المكان جداً من القمر وتكون من الصغر بحيث لا يرى كل واحد منها بل جملتها على نحو مخصوص من الشكل وتكون إما عديمة الضوء أو لها ضوء أضعف من ضوء القمر فترى في حالة إضاءته مظلمة ، وأما إن كان ذلك بسبب عائد إلى ذات القمر فلا يخلو إما أن يكون جوهر ذلك الموضع مساوياً لجواهر المواضع المستنيرة من القمر في الماهية أو لا يكون فإن لم يكن كان ذلك لارتكاز أجرام سماوية مخالفة بالنوع للقمر في جرمه كما ذكرناه قبل وهو قريب منه .

وإما أن تكون تلك المواضع مساوية الماهية لجرم القمر فحينئذ يمتنع اختصاصها بتلك الآثار إلا بسبب خارجي لكنه قد ظهر لنا أن الأجرام السماوية لا تتأثر بشيء عنصري وبذلك أبطل قول من قال : إن ذلك المحو بسبب انسحاق عرض القمر من مماسة النار ، أما أولاً فلأن ذلك يوجب أن يتأدى ذلك في الأزمان الطويلة إلى العدم والفساد بالكلية والأرصاد المتوالية مكذبة لذلك ، وأيضاً القمر غير مماس للنار لأنه مفرق في ذلك تدويره الذي هو في حامله الذي بينه وبين النار بعد بعيد بدليل أن النار لو كانت ملاقية لحامله لتحركت بحركته إلى المشرق وليس كذلك لأن حركات الشهب في الأكثر لا تكون إلا إلى جهة المغرب وتلك الحركة تابعة لحركة النار والحركة المستديرة ليست للنار بذاتها فإنها مستقيمة الحركة فذلك لها بالعرض تبعاً لحركة الكل فبطل ما قالوه اه .

وذكر الآمدي في أبكار الأفكار زيادة على ما يفهم مما ذكر من الأقوال وهي أن منهم من قال : إن ما يرى خيال لا حقيقة له ، ورده بأنه لو كان كذلك لاختلف الناظرون فيه ؛ ومنهم من قال : إنه السواد الكائن في القمر في الجانب الذي لا يلي الشمس ، ورده بأنه لو كان كذلك لما رؤي متفرقاً ، ومنهم من قال : إنه وجه القمر فإنه مصور بصوة وجه الإنسان وله عينان وحاجبان وأنف وفم ، ورده بأنه مع بعده يوجب أن يكون فعل الطبيعة عندهم معطلاً عن الفائدة لأن فائدة الحاجبين عندهم دفع أذى العرق عن العينين وفائدة الأنفس الشم وفائدة الفم دخول الغذاء وليس للقمر ذلك ، وقد رد عليهم رحمة الله تعالى عليه سائر ما ذكروه .

وذكر الإمام في التفسير أن آخر ما ذكره الفلاسفة في ذلك أنه ارتكن في وجه القمر أجسام قليلة الضوء مثل ارتكاز الكواكب في أجرام الأفلاك ولما كانت تلك الأجرام أقل ضوأ من جرم القمر لا جرم شوهدت في وجهه كالكلف في وجه الإنسان وفي ارتكازها في بعض أجزائه دون بعض كونه متشابه الأجزاء عندهم دليل على الصانع المختار كما أن في تخصيص بعض أجزائه بالنور القوي وبعضها بالنور الضعيف مع تشابه الأجزاء دليلاً على ذلك .

ومثل هذا التخصيص في الدلالة تخصيص بعض جوانب الفلك الذي هو عندهم أيضاً جرم بسيط متشابه الأجزاء بارتكاز الكواكب فيه دون البعض الآخر .

وزعم بعض أهل الآثار أنه مكتوب في وجه القمر لا إله إلا الله ، وقيل لفظ جميل ، وقيل غير ذلك وأن المحو المرئى هو تلك الكتابة ولا يعول على شيء من ذلك ، نعم مكتوب على كل شيء لا إله إلا الله وكذا جميل ولكن ذلك بمعنى آخر كما لا يخفى .

ونقل لي عن أهل الهيئة الجديدة أنهم يزعمون أن القمر كالآرض فيه الجبال والوهاد والأشجار والبحار وأنهم شاهدوا ذلك في أرصادهم وأن المواضع التي لا يرى فيها محوهي البحار والتي فيها محوهى أرضي غير مستوية وزعموا أنه لو وصل أحد إلى القمر لرأى الآرض كذلك ومن هنا قالوا لا يبعد أن يكون معموراً بخلائق نحو عمارة الآرض بل قالوا : إن جميع الكواكب مثله في ذلك قياساً عليه وإن كانت لا يرى فيها لمزيد بعدها ما يرى فيه وبعيد من الحكمة أن يعمر الله تعالى الآرض بالخلق على صغرها ويترك أجساماً عظيمة أكثرها أعظم من الآرض خالية بلا خلق على كبرها وهم منذ غرهم القمر تشبثوا بحباله في عمل الحيل للعروج إليه فصنعوا سفناً زئبقية فعرجوا فيها فقبل أن يصلوا إلى كرة البخار انتفخت أجسامهم وضلت كما ضلت من قبل أفهامهم فانقلبوا صاغرين وهبطوا خاسئين ، وأنت تعلم أن كلامهم في هذا الباب مخالف لأصول الفلسفة ولا برهان لهم عليه سوى السفه ومنشؤه محض أنهم رأوا شيئاً في القمر ولم يتحققوه وظنوه ما ظنوه وأي مانع من أن يكون قد جعل الله تعالى المحو على وجه يتخيل فيه ذلك بل لا مانع على أصولنا من أن يقال : قد جعل الله تعالى في القمر أجراماً تشبه ما حسبوه لكن لم يرد في ذلك شيء عن الصادق صلى الله عليه وسلم وهو الذي عرج به إلى قاب قوسين أو أدنى ، وما ذكروه من أنه بعيد من الحكمة أن يعمر الله تعالى الآرض الخ يلزم عليه أن يكون ما بين الكواكب ككواكب الدب الأكبر مثلا معموراً بالخلائق كالآرض أيضاً فإنه أوسع منها بأضعاف مضاعفة وهم لا يقولون به على انا نقول قد جاء «أطت السماء وحق لها أن تئط ما فيها موضع قدم إلا وفيه ملك راكع أو ساجد » فيجوز أن يكون على جرم القمر ملائكة يعبدون الله تعالى بما شاء وكيف شاء بل يجوز أن يكون عند كل ذرة من ذراته ملك كذلك وهذا نوع من العمارة بالخلق ، والأحسن عند من عز عليه وقته عدم الالتفات إلى مثل هذه الخرافات وتضييع الوقت في ردها والله سبحانه الموفق ، ثم ما تقدم من أن المحو نقص ما استفاده القمر من الشمس شيئاً فشيئاً فيه القول بأن نور القمر مستفاد من نور الشمس وقد عد الجل من العلماء ذلك في الحدسيات وذكروا أن الشمس مضيئة بنفسها وكلا الأمرين مما ذكره الفلاسفة وليس له في الشرع مستند يعول عليه ، وقد نقله الآمدي وتعقبه فقال : ذكروا أن الشمس نيرة بنفسها وما المانع من كونها سوداء الجرم والله تعالى يخلق فيها النور في أوقات مشاهدتنا لها ، وأن تكون مستنيرة من كواكب أخرى فوقها وهي مستورة عنا ببعض الاجرام السماوية المظلمة كما يحدث للشمس في حالة الكسوف ، وإن سلمنا أنها نيرة بنفسها فلا نسلم أن نور القمر مستفاد منها وما المانع من كون الرب تعالى يخلق فيه النور في وقت دون وقت أو أن يكون مع كونه مركوزاً في فلكه دائراً على مركز نفسه وأحد وجهيه نير والآخر مظلم كما كان بعض أجزاء الفلك شفافاً وبعضها نيراً وهو متحرك بحركة مساوية لحركة فلكه ويكون وجهه المضيء عند مقابلة الشمس وهو الذي يلينا ويكون الزيادة والنقصان فيما يظهر لنا على حسب بعده وقربه من الشمس فلا يكون مستنيراً من الشمس اه .

وأورد أنه إذا ضم الخسوف إلى الزيادة والنقصان قرباً وبعداً لا يتم ما ذكره وصح ما ذكروه من الاستفادة .

وأجيب بأنه ما المانع من أن يكون الخسوف لحيلولة جرم علوي بيننا وبينه لا لحيلولة الآرض بينه وبين الشمس فلا بد لنفي ذلك من دليل فافهم والله تعالى أعلم وهو المتصرف في ملكه كيفما يشاء { لّتَبْتَغُواْ } متعلق بقوله تعالى : { وَجَعَلْنَا اليل والنهار } وفي الكلام مقدر أي جعلنا آية النهار مبصرة لتطلبوا لأنفسكم فيه .

{ فَضْلاً مّن رَّبّكُمْ } أي رزقاً إذ لا يتسنى ذلك في الليل ، وفي التعبير عن الرزق بالفضل وعن الكسب بالابتغاء والتعرض لصفة الربوبية المنبئة عن التبليغ إلى الكمال شيئاً فشيئاً دلالة كما قال شيخ الإسلام : على أن ليس للعبد في تحصيل الرزق تأثير سوى الطلب وإنما الاعطاء إلى الله سبحانه لا بطريق الوجوب عليه تعالى بل تفضلاً بحكم الربوبية ، ومعنى تأثير الطلب على نحو تأثير الأسباب العادية فإنه من جملتها ولا توقف حقيقة للرزق عليه ، وفي الخبر يطلبك رزقك كما يطلبك أجلك ، ولله تعالى در القائل :

لقد علمت وما الاشراف من خلقي . . . أن الذي هو رزقي سوف يأتيني

أسعى إليه فيعييني تطلبه . . . ولو قعدت أتاني لا يعنيني

{ وَلِتَعْلَمُواْ } متعلق كما قيل بكلا الفعلين أعني محو آية الليل وجعل آية النهار مبصرة لا بأحدهام فقط إذ لا يكون ذلك بانفراده مداراً للعلم المذكور أي لتعلموا بتفاوت الجديدين أو نيريهما ذاتاً من حيث الاظلام والإضاءة مع تعاقبهما أو حركتهما وأوضاعهما وسائر أحوالهما { عَدَدَ السنين } التي يتعلق بها غرض علمي لإقامة مصالحكم الدينية والدنيوية { والحساب } أي الحساب المتعلق بما في ضمنها من الأوقات أي الأشهر والليالي والأيام وغير ذلك مما نيط به شيء من المصالح المذكورة ، ونفس السنة من حيث تحققها مما ينتظمه الحساب وإنما الذي يتعلق به العد طائفة منها وتعلقه في ضمن ذلك بكل واحدة منها ليس من حيثية التحقق والتحصل من عدة أشهر حصل كل واحد منها من عدة أيام حصل كل واحد منها من طائفة من الساعات مثلا فإن ذلك من وظيفة علم الحساب بل من حيث إنها فرد من طائفة السنين المعدودة بعدها أي نفسها من غير أن يعتبر في ذلك تحصيل شيء معين كما حقق ذلك شيخ الإسلام .

وقيل : المعنى { لّتَعْلَمُواْ } باختلافهما وتعاقبهما على نسق واحد أو بحركاتهما عدد السنين الخ المراد بالحساب جنسه أي الجاري في المعاملات كالإجارات والبيوع المؤجلة وغير ذلك ؛ وذكر بعضهم أن الظاهر المناسب أن المراد لتعلموا بالليل فإن عدد السنين الشرعية والحساب الشرعي يعلمان به غالباً أو بالقمر لقوله تعالى في الأهلة

{ قُلْ هِىَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ والحج } [ البقرة : 189 ] وأنت تعلم أن السنين شمسية وقمرية وبكل منهما العمل فلو قيل إحدى الآيتين مبينة لأحدهما والأخرى للآخر لا محذور فيه ، وكون الشرع معولاً على أحدهما لا يضر ، وتقديم العدد على الحساب من أن الترتيب بين متعلقيهما على ما سمعت أولاً وجوداً وعدما على العكس للتنبيه من أول الأمر على أن متعلق الحساب ما في تضاعيف السنن من الأوقات أو لأن العلم المتعلق بعدد السنين علم إجمالي بما تعلق به الحساب تفصيلاً أو لأن العلم المتعلق بالأول أقصى المراتب فكان جديراً بالتقديم في مقام الامتنان أو لأن العدد نازل من الحساب منزلة البسيط من المركب بناء على ما حقق من أن الحساب إحصاء ماله كمية منفصلة بتكرير أمثاله من حيث يتحصل بطائفة معينة منها حد معين منه له اسم خاص وحكم مستقل والعدد إحصائه بمجرد تكرير أمثاله من غير أن يتحصل شيء كذلك ولهذا وكون السنين مما لم يعتبر فيها حد معين له اسم خاص وحكم مستقل أضيف أضيف( {[558]} ) إليها العدد وعلق الحساب بما عداها فتدبر .

{ وَكُلَّ شىْء } تفتقرون إليه في معاشكم ومعادكم سوى ما ذكر من جعل الليل والنهار آيتين وما يتبعه من المنافع الدينية والدنيوية وهو منصوب بفعل يفسره قوله تعالى : { فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلاً } وهذا من باب الاشتغال ورجح النصب لتقديم جملة فعلية ، وجوز أن يكون معطوفاً على { الحساب } وجملة { فَصَّلْنَاهُ } وهذا من باب الاشتغال ورجح النصب لتقدم جملة فعلية ، وجوز أن يكون معطوفاً فاعلى { الحساب } وجملة { فَصَّلْنَاهُ } صفة شيء ، وهو بعيد معنى .

والتفصيل من الفصل بمعنى القطع والمردا به الابانة التامة وجيء بالمصدر للتأكيد . فالمعنى بينا كل شيء ، وهو بعيد معنى .

والتفصيل من الفصل بمعنى القطع والمراد به الإبانة التامة وجيء بالمصدر للتأكيد . فالمعنى بينا كل شيء في القرآن الكريم بياناً بليغا لا التباس معه كقوله تعالى : { وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الكتاب تِبْيَانًا لّكُلّ شَىْء } [ النحل : 89 ] فظهر كونه هادياً للتي هي أقوم ظهوراً بينا .

( ومن باب الإشارة ) :{ وَجَعَلْنَا اليل } أي ليل الكون وظلمة البدن { والنهار } أي نهار الإبداع والروح { ءايَتَيْنِ } يتوصل بهما إلى معرفة الذات والصفات { فَمَحَوْنَا ءايَةَ اليل } بالفساد والفناء { وَجَعَلْنَا ءايَةَ النهارمبصرة } منيرة باقية بكمالها تبصر بنورها الحقائق { لِتَبْتَغُواْ فَضْلاً مّن رَّبّكُمْ } وهو كمالكم الذي تستعدونه { وَلِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السنين والحساب } أي لتحصوا عدد المراتب والمقامات من بدايتكم إلى نهايتكم بالترقي فيها وحساب أعمالكم وأخلاقكم وأحوالكم فتبدلوا السيء من ذلك بالحسن { وَكُلَّ شىْء } من العلوم والحكم { فَصَّلْنَاهُ } بنور عقولكم الفرقانية الحاصلة لكم عند الكمال { تفصيلاً } [ الإسراء : 12 ] لا إجمالاً فيه كما في مرتبة العقل القرآني الحاصل عند البداية


[557]:- قوله "إلى حالة بين) الخ كذا بخطه ولعله إما وصف الخ بين بقرينة ما سبق في الوجه قبله.
[558]:- قوله أضيف أضيف كذا بخطه وليست الأولى بضرورية كما لا يخفى.