مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{وَقَالُواْ لَن نُّؤۡمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفۡجُرَ لَنَا مِنَ ٱلۡأَرۡضِ يَنۢبُوعًا} (90)

قوله تعالى :{ وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا . أو تكون لك جنة من نخيل وعنب فتفجر الأنهار خلالها تفجيرا . أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا أو تأتي بالله والملائكة قبيلا . أو يكون لك بيت من زخرف أو ترقى في السماء ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا }

اعلم أنه تعالى لما بين بالدليل كون القرآن معجزا وظهر هذا المعجز على وفق دعوى محمد صلى الله عليه وسلم فحينئذ تم الدليل على كونه نبيا صادقا لأنا نقول إن محمدا ادعى النبوة وظهر المعجزة على وفق دعواه وكل من كان كذلك فهو نبي صادق ، فهذا يدل على أن محمدا صلى الله عليه وسلم صادق وليس من شرط كونه نبيا صادقا تواتر المعجزات الكثيرة وتواليها لأنا لو فتحنا هذا الباب للزم أن لا ينتهي الأمر فيه إلى مقطع وكلما أتى الرسول بمعجز اقترحوا عليه معجزا آخر ولا ينتهي الأمر فيه إلى حد ينقطع عنده عناد المعاندين وتغلب الجاهلين لأنه تعالى حكى عن الكفار أنهم بعد أن ظهر كون القرآن معجزا التمسوا من الرسول صلى الله عليه وسلم ستة أنواع من المعجزات القاهرة كما حكى عن ابن عباس «أن رؤساء أهل مكة أرسلوا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وهم جلوس عند الكعبة فأتاهم فقالوا يا محمد إن أرض مكة ضيقة فسير جبالها لننتفع فيها وفجر لنا فيها ينبوعا أي نهرا وعيونا نزرع فيها فقال لا أقدر عليه ، فقال قائل منهم أو يكون لك جنة من نخيل وعنب فتفجر الأنهار خلالها تفجيرا فقال لا أقدر عليه ، فقيل أو يكون لك بيت من زخرف أي من ذهب فيغنيك عنا فقال لا أقدر عليه ، فقيل له أما تستطيع أن تأتي قومك بما يسألونك فقال لا أستطيع ، قالوا فإذا كنت لا تستطيع الخير فاستطع الشر فأسقط السماء كما زعمت علينا كسفا أي قطعا بالعذاب وقوله كما زعمت إشارة إلى قوله : { إذا السماء انشقت ، إذا السماء انفطرت } فقال عبد الله بن أمية المخزومي وأمه عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم لا والذي يحلف به لا أومن بك حتى تشد سلما فتصعد فيه ونحن ننظر إليك فتأتي بأربعة من الملائكة يشهدون لك بالرسالة ثم بعد ذلك لا أدري أنؤمن بك أم لا ! » فهذا شرح هذه القصة كما رواها ابن عباس .

المسألة الثانية : اعلم أنهم اقترحوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أنواعا من المعجزات أولها : قولهم { حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا } قرأ عاصم وحمزة والكسائي تفجر بفتح التاء وسكون الفاء وضم الجيم مخففة واختاره أبو حاتم قال لأن الينبوع واحد والباقون بالتشديد واختاره أبو عبيدة ولم يختلفوا في الثانية مشددة لأجل الأنهار ، لأنها جمع يقال فجرت الماء فجرا وفجرته تفجيرا ، فمن ثقل أراد به كثرة الأشجار من الينبوع وهو وإن كان واحدا فلكثرة الانفجار فيه يحسن أن يثقل كما تقول ضرب زيد إذا كثر الضرب منه فيكثر فعله وإن كان الفاعل واحدا ومن خفف فلأن الينبوع واحد ، وقوله { ينبوعا } ، يعني : عينا ينبع الماء منه ، تقول نبع الماء ينبع نبعا ونبوعا ونبعا ذكره الفراء ، قال القوم أزل عنا جبال مكة ، وفجر لنا الينبوع ليسهل علينا أمر الزراعة والحراثة .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَقَالُواْ لَن نُّؤۡمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفۡجُرَ لَنَا مِنَ ٱلۡأَرۡضِ يَنۢبُوعًا} (90)

{ وَقَالُواْ } عند ظهور عجزهم ووضوح مغلوبيتهم بالإعجاز التنزيلي وغيره من المعجزات الباهرة متعللين بما لا تقتضي الحكمة وقوعه من الأمور ولا توقف لثبوت المدعي عليه وبعضه من المحالات العقلية { لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حتى تَفْجُرَ } بالتخفيف من باب نصر المتعدي وبذلك قرأ الكوفيون أي تفتح ، وقرأ باقي السبعة { تَفْجُرَ } من فجر مشدداً والتضعيف للتكثير لا للتعدية .

وقرأ الأعمس . وعبد الله بن مسلم بن يسار { تَفْجُرَ } من أفجر رباعياً وهي لغة في تجر { لَنَا مِنَ الآرض } أي أرض مكة لقلة مياهها فالتعريف عهدي { يَنْبُوعًا } مفعول من نبع الماء كيعبوب من عب الماء إذا زخر وكثر موجه فالياء زائدة للمبالغة ، والمراد عينا لا ينضب ماؤها ، وأخرج ابن أبي حاتم عن السدى أن الينبوع هو النهر الذي يجري من العين ، والأول مروى عن مجاهد وكفى به .