مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{قَالَ فَإِنَّا قَدۡ فَتَنَّا قَوۡمَكَ مِنۢ بَعۡدِكَ وَأَضَلَّهُمُ ٱلسَّامِرِيُّ} (85)

قوله تعالى :{ قال فإنا قد فتنا قومك من بعدك وأضلهم السامري ، فرجع موسى إلى قومه غضبان أسفا قال يا قوم ألم يعدكم ربكم وعدا حسنا أفطال عليكم العهد أم أردتم أن يحل عليكم غضب من ربكم فأخلفتم موعدي ، قالوا ما أخلفنا موعدك بملكنا ولكنا حملنا أوزارا من زينة القوم فقذفناها فكذلك ألقى السامري ، فأخرج لهم عجلا جسدا له خوار فقالوا هذا إلهكم وإله موسى فنسي ، أفلا يرون ألا يرجع إليهم قولا ولا يملك لهم ضرا ولا نفعا }

اعلم أنه تعالى لما قال لموسى : { وما أعجلك عن قومك } وقال موسى في جوابه : { وعجلت إليك رب لترضى } عرفه الله تعالى ما حدث من القوم بعد أن فارقهم مما كان يبعد أن يحدث لو كان معهم فقال : { فإنا قد فتنا قومك من بعدك وأضلهم السامري } وههنا مسائل :

المسألة الأولى : قالت المعتزلة : لا يجوز أن يكون المراد أن الله تعالى خلق فيهم الكفر لوجهين ، الوجه الأول : الدلائل العقلية الدالة على أنه لا يجوز من الله أن يفعل ذلك . الثاني : أنه قال : { وأضلهم السامري } ولو كان الله خلق الضلال فيهم لم يكن لفعل السامري فيه أثر وكان يبطل قوله : { وأضلهم السامري } وأيضا فلأن موسى عليه السلام لما طالبهم بذكر سبب تلك الفتنة قال : { أفطال عليكم العهد أم أردتم أن يحل عليكم غضب من ربكم } فلو حصل ذلك بخلق الله تعالى لكان لهم أن يقولوا السبب فيه أن الله خلقه فينا لا ما ذكرت فكان يبطل تقسيم موسى عليه السلام وأيضا فقال : { أم أردتم أن يحل عليكم غضب من ربكم } ولو كان ذلك بخلقه لاستحال أن يغضب عليهم فيما هو الخالق له ولما بطل ذلك وجب أن يكون لقوله : { فتنا } معنى آخر وذلك لأن الفتنة قد تكون بمعنى الامتحان . يقال : فتنت الذهب بالنار إذا امتحنته بالنار لكي يتميز الجيد من الرديء فههنا شدد الله التكليف عليهم وذلك لأن السامري لما أخرج لهم ذلك العجل صاروا مكلفين بأن يستدلوا بحدوث جملة العالم والأجسام على أن لها إلها ليس بجسم وحينئذ يعرفون أن العجل لا يصلح للإلهية فكان هذا التعبد تشديدا في التكليف فكان فتنة والتشديد في التكليف موجود قال تعالى : { أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون } هذا تمام كلام المعتزلة قال الأصحاب : ليس في ظهور صوت عن عجل متخذ من الذهب شبهة أعظم مما في الشمس والقمر والدليل الذي ينفي كون الشمس والقمر إلها أولى بأن ينفي كون ذلك العجل إلها فحينئذ لا يكون حدوث ذلك العجل تشديدا في التكليف فلا يصح حمل الآية عليه فوجب حمله على خلق الضلال فيهم ، قولهم : أضاف الإضلال إلى السامري قلنا : أليس أن جميع المسببات العادية تضاف إلى أسبابها في الظاهر وإن كان الموجد لها هو الله تعالى فكذا ههنا وأيضا قرئ { وأضلهم السامري } أي وأشدهم ضلالا السامري وعلى هذا لا يبقى للمعتزلة الاستدلال ، ثم الذي يحسم مادة الشغب التمسك بفصل الداعي على ما سبق تقريره في هذا الكتاب مرارا كثيرة .

المسألة الثانية : المراد بالقوم ههنا هم الذين خلفهم مع هارون عليه السلام على ساحل البحر وكانوا ستمائة ألف افتتنوا بالعجل غير أثني عشر ألفا .

المسألة الثالثة : قال ابن عباس رضي الله عنهما في رواية سعيد بن جبير : كان السامري علجا من أهل كرمان وقع إلى مصر وكان من قوم يعبدون البقر والذي عليه الأكثرون أنه كان من عظماء بني إسرائيل من قبيلة يقال لها السامرة ، قال الزجاج وقال عطاء عن ابن عباس : بل كان رجلا من القبط جارا لموسى عليه السلام وقد آمن به .

المسألة الرابعة : روى في القصة أنهم أقاموا بعد مفارقته عشرين ليلة وحسبوها أربعين مع أيامها وقالوا : قد أكملنا العدة ثم كان أمر العجل بعد ذلك والتوفيق بين هذا وبين قوله لموسى عند مقدمه : { فإنا قد فتنا قومك من بعدك } من وجهين . الأول : أنه تعالى أخبر عن الفتنة المترقبة بلفظ الموجودة الكائنة على عادته . الثاني : أن السامري شرع في تدبير الأمر لما غاب موسى عليه السلام وعزم على إضلالهم حال مفارقة موسى عليه السلام وكأنه قدر الفتنة موجودة .

المسألة الخامسة : إنما رجع موسى عليه السلام بعد ما استوفى الأربعين ذا القعدة وعشر ذي الحجة .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{قَالَ فَإِنَّا قَدۡ فَتَنَّا قَوۡمَكَ مِنۢ بَعۡدِكَ وَأَضَلَّهُمُ ٱلسَّامِرِيُّ} (85)

{ قَالَ } استئناف مبني على سؤال نشأ من حكاية اعتذاره عليه السلام وهو السر في وروده على صيغة الغائب لا أنه التفات من التكلم إلى الغيبة لما أن المقدر فيما سبق على صيغة التكلم كأنه قيل من جهة السامعين : فماذا قال له ربه تعالى حينذئذ ؟ فقيل : قال سبحانه { فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ } أي اختبرناهم بما فعل السامري أو أوقعناهم في فتنة أي ميل مع الشهوات ووقوع في اختلاف { مِن بَعْدِكَ } من بعد فراقك لهم وذهابك من بينهم { وَأَضَلَّهُمُ السامري } حيث أخرج لهم عجلاً جسداً له خوار ودعاهم إلى عبادته . وقيل : قال لهم بعد أن غاب موسى عليه السلام عنهم عشرين ليلة : إنه قد كملت الأربعون فجعل العشرين مع أيامها أربعين ليلة . وليس من موسى عين ولا أثر وليس اخلافه ميعادكم إلا لما معكم من حلى القوم وهو حرام عليكم فجمعوه وكان من أمر العجل ما كان . والمراد بقومك هنا الذين خلفهم مع هارون عليه السلام ، وكانوا على ما قيل ستمائة ألف ما نجا منهم من عبادة العجل إلا اثنا عشر ألفاً فالمراد بهم غير المراد بقومك فيما تقدم ، ولذا لم يؤت بضميرهم ، وقيل : المراد بالقوم في الموضعين المتخلفتين لتعين إرادتهم هنا ، والمعرفة المعادة عين الأولى . ومعنى { هم أولاء على أثرى } [ طه : 84 ] هم بالقرب مني ينتظرونني .

وتعقبه في الكشف بأنه غبر ملائم للفظ الأثر ولا هو مطابق لتمهيد عذر العجلة ومن أين لصاحب هذا التأويل النقل بأنهم كانوا على القرب من الطور وحديث المعرفة المعادة إنما هو إذا لم يقم دليل التغاير وقد قام . على أن لنا أن تقول : هي عين الأولى لأن المراد بالقوم الجنس في الموضعين لكن المقصود منه أولا النقباء وثانياً المتخلفون ومثله كثير في القرآن انتهى . وما ذكره من نفي النقل الدال على القرب فيه مقال ، وسيأتي إن شاء الله تعالى قريباً من الأخبار ما يدل بظاهره على القرب إلا أنا لم نقف على تحصيحه أو تضعيفه .

وما ذكر من تفسير { هُمْ أُوْلاء على أَثَرِى } [ طه : 84 ] على إرادة المتخلفين في الأول أيضاً نقله الطبرسي عن الحسن ، ونقل عنه أيضاً تفسيره بأنهم على ديني ومنهاجي والأمر عليه أهون . والفاء لتعليل ما يفهمه الكلام السابق كأنه قيل : لا ينبغي عجلتك عن قومك وتقدمك عليهم وإهمال أمرهم لوجه من الوجوه فإنهم لحداثة عهدهم باتباعك ومزيد بلاهتهم وحماقتهم بمكان يحيق فيه مكر الشيطان ويتمكن من إضلالهم فإن القوم الذين خلفتهم مع أخيك قد فتنوا وأضلهم السامري بخروجك من بينهم فكيف تأمن على هؤلاء الذي أغفلتهم وأهملت أمرهم .

وفي إرشاد العقل السليم إنها لترتيب الأخبار بما ذكر من الابتلاء على أخبار موسى عليه السلام بعجلته لكن لا لأن الأخبار بها سبب موجب للأخبار به بل لما بينهما من المناسبة المصححة للانتقال من أحدهما إلى الآخر من حيث أن مدار الابتلاء المذكور عجلة القوم وليس بذاك .

وأما قول الخفاجي : إنها للتعقيب من غير تعليل أي أقول لك عقب ما ذكر إنا قد فتنا إلى آخره ففيه سهو ظاهر لأن هذا المعنى إنما يتسنى لو كانت الفاء داخلة على القول لكنها داخلة على ما بعده وظاهر الآية يدل على أن الفتن وإضلال السامري إياهم قد تحققا ووقعا قبل الاخبار بهما إذ صيغة الماضي ظاهرة في ذلك ، والظاهر أيضاً على ما قررنا أن الأخبار كان عند مجيئه عليه السلام للطور لم يتقدمه إلا العتاب والاعتذار . وفي الآثار ما يدل على أن وقوع ما ذكرنا كان بعد عشرين ليلة من ذهابه عليه السلام لجناب الطور ، وقيل : بعد ست وثلاثين يوماً وحينئذ يكون التعبير عن ذلك بصيغة الماضي لاعتبار تحققه في علم الله تعالى ومشيئته أو لأنه قريب الوقوع مترقبه أو لأن السامري كان قد عزم على إيقاع الفتنة عند ذهاب موسى عليه السلام وتصدى لترتيب مباديها وتمهيد مبانيها فنزل مباشرة الأسباب منزلة الوقوع . والسامري عند الأكثر كما قال الزجاج : كان عظيماً من عظماء بني إسرائيل من قبيلة تعرف بالسامرة وهم إلى هذه الغاية في الشام يعرفون بالسامريين ، وقيل : هو ابن خالة موسى عليه السلام ، وقيل : ابن عمه ، وقيل : كان علجاً من كرمان ، وقيل : كان من أهل باجرما قرية قريبة من مصر أو قرية من قرى موصل ، وقيل : كان من القبط وخرج مع موسى عليه السلام مظهراً الإيمان وكان جاره .

وقيل : كان من عباد البقر وقع في مصر فدخل في بني إسرائيل بظاهره وفي قلبه عبادة البقر . واسمه قيل موسى بن ظفر ، وقيل : منجا ، والأول أشهر ، وأخرج ابن جرير عن ابن عباس أن أمه حين خافت أن يذبح خلفته في غار وأطبقت عليه فكان جبريل عليه السلام يأتيه فيغدوه بأصابعه في واحدة لبنا وفي الأخرى عسلا ، وفي الأخرى سمناً ولم يزل يغذوه حتى نشأ وعلى ذلك قوله من قال :

إذا المرء لم يخلق سعيداً تحيرت *** عقول مربيه وخاب المؤمل

فموسى الذي رباه جبريل كافر *** وموسى الذي رباه فرعون مرسل

وبالجملة كان عند الجمهور منافقاً يظهر الإيمان ويبطن الكفر ، وقرأ معاذ { أضلهم } على أنه أفعل تفضيل أي أشدهم ضلالاً لأنه ضال ومضل .

/خ85