وأما كونه غفارا فقوله : { وإني لغفار لمن تاب } وأما الغفران فقوله : { غفرانك ربنا } وأما المغفرة فقوله : { وإن ربك لذو مغفرة للناس } وأما صيغة الماضي فقوله : في حق داود عليه السلام { فغفرنا له ذلك } وأما صيغة المستقبل فقوله : { إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء } وقوله : { إن الله يغفر الذنوب جميعا } وقوله في حق محمد صلى الله عليه وسلم : { ليغفر لك الله } وأما لفظ الاستغفار فقوله : { واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات } وفي حق نوح عليه السلام : { فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا } وفي الملائكة : { ويستغفرون لمن في الأرض } واعلم أن الأنبياء عليهم السلام كلهم طلبوا المغفرة أما آدم عليه السلام فقال : { وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين } ، وأما نوح عليه السلام فقال : { وإلا تغفر لي وترحمني } ، وأما إبراهيم عليه السلام فقال : { والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين } وطلبها لأبيه : { سأستغفر لك ربي } وأما يوسف عليه السلام فقال في إخوته : { لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم } وأما موسى عليه السلام ففي قصة القبطي : { رب اغفر لي ولأخي } وأما داود عليه السلام : { فاستغفر ربه أما سليمان عليه السلام : { رب اغفر لي وهب لي ملكا } وأما عيسى عليه السلام : { وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم } وأما محمد صلى الله عليه وسلم فقوله :{ واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات } وأما الأمة فقوله : { والذين جاؤوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا } واعلم أن بسط الكلام ههنا أن نبين أولا حقيقة المغفرة ثم نتكلم في كونه تعالى غافرا وغفورا وغفارا ثم نتكلم في أن مغفرته عامة ثم نبين أن مغفرته في حق الأنبياء عليهم السلام كيف تعقل مع أنه لا ذنب لهم ، ويتفرع على هذه الجملة استدلال أصحابنا في إثبات العفو وتقريره أن الذنب إما أن يكون صغيرا أو كبيرا بعد التوبة أو قبل التوبة والقسمان الأولان يقبح من الله عذابهما ويجب عليه التجاوز عنهما وترك القبيح لا يسمى غفرانا فتعين أن لا يتحقق الغفران إلا في القسم الثالث وهو المطلوب ، فإن قيل : هذا يناقض صريح الآية لأنه أثبت الغفران في حق من استجمع أمورا أربعة : التوبة والإيمان والعمل الصالح والاهتداء ، قلنا : إن من تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى ثم أذنب بعد ذلك كان تائبا ومؤمنا وآتيا بالعمل الصالح ، ومهتديا ومع ذلك يكون مذنبا فحينئذ يستقيم كلامنا ، وههنا نكتة ، وهي أن العبد له أسماء ثلاثة : الظالم والظلوم والظلام . فالظالم : { فمنهم ظالم لنفسه } والظلوم : { إنه كان ظلوما جهولا } والظلام إذا كثر ذلك منه ، ولله في مقابلة كل واحد من هذه الأسماء اسم فكأنه تعالى يقول : إن كنت ظالما فأنا غافر وإن كنت ظلوما فأنا غفور ، وإن كنت ظلاما فأنا غفار : { وإني لغفار لمن تاب وآمن } .
المسألة التاسعة : كثير اختلاف المفسرين في قوله تعالى : { ثم اهتدى } وسبب ذلك أن من تاب وآمن وعمل صالحا فلا بد وأن يكون مهتديا ، فما معنى قوله ثم اهتدى بعد ذكر هذه الأشياء ؟ والوجوه الملخصة فيه ثلاثة . أحدها : المراد منه الاستمرار على تلك الطريقة إذ المهتدي في الحال لا يكفيه ذلك في الفوز بالنجاة حتى يستمر عليه في المستقبل ويموت عليه ويؤكده قوله تعالى : { إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا } وكلمة ثم للتراخي في هذه الآية وليست لتباين المرتبتين بل لتباين الوقتين فكأنه تعالى قال : الإتيان بالتوبة والإيمان والعمل الصالح مما قد يتفق لكل أحد ولا صعوبة في ذلك إنما الصعوبة في المداومة على ذلك والاستمرار عليه . وثانيها : المراد من قوله : { ثم اهتدى } أي علم أن ذلك بهداية الله وتوفيقه وبقي مستعينا بالله في إدامة ذلك من غير تقصير ، عن ابن عباس . وثالثها : المراد من الإيمان الاعتقاد المبني على الدليل والعمل الصالح إشارة إلى أعمال الجوارح بقي بعد ذلك ما يتعلق بتطهير القلب من الأخلاق الذميمة وهو المسمى بالطريقة في لسان الصوفية ، ثم انكشاف حقائق الأشياء له وهو المسمى بالحقيقة في لسان الصوفية فهاتان المرتبتان هما المرادتان بقوله : { ثم اهتدى } .
المسألة العاشرة : منهم من قال : تجب التوبة عن الكفر أولا ثم الإتيان بالإيمان ثانيا واحتج عليه بهذه الآية فإنه تعالى قدم التوبة على الإيمان ، واحتج أصحابنا بهذه الآية على أن العمل الصالح غير داخل في الإيمان لأنه تعالى عطف العمل الصالح على الإيمان والمعطوف مغاير للمعطوف عليه .
{ وإني لَغَفَّارٌ } كثير المغفرة { لّمَن تَابَ } من الشرك على ما روى عن ابن عباس ، وقيل : منه ومن المعاصي التي من جملتها الطغيان فيما رزق { وَآمَنَ } بما يجب الايمان به . واقتصر ابن عباس رضي الله تعالى عنهما فيما يروى عنه على ذكر الايمان بالله تعالى ولعله من باب الاقتصار على الأشرف وإلا فالأفيد إرادة العموم مع ذكر التوبة من الشرك { وَعَمِلَ صالحا } أي عملاً مستقيماً عند الشرع وهو بحسب الظاهر شامل للفرض والسنة ، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما تفسير ذلك بإداء الفرائض { ثُمَّ اهتدى } أي لزم الهدى واستقام عليه إلى الموافاة وهو مروي عن الحبر .
والهدي يحتمل أن يراد به الايمان ، وقد صرح بحانه بمدح المستقيمين على ذلك في قوله تعالى : { إِنَّ الذين قَالُواْ رَبُّنَا الله ثُمَّ استقاموا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الملائكة أَلاَّ تَخَافُواْ وَلاَ تَحْزَنُواْ } [ فصلت : 30 ] .
وقال الزمخشري : الاهتداء هو الاستقامة والثبات على الهدى المذكور وهو التوبة والإيمان والعمل الصالح وأياً ما كان فكلمة ثم إما للتراخي باعتبار الانتهاء لبعده عن أول الانتهاء أو للدلالة على بعد ما بين المرتبتين فإن المداومة أعلى وأعظم من الشروع كما قيل :
لكل إلى شاو العلى وثبات *** ولكن قليل في الرجال ثبات
وقيل : المراد ثم عمل بالسنة ، وأخرج سعيد بن منصور عن الحبر أن المراد من اهتدى علم أن لعمله ثواباً يجزي عليه ، وروي عنه غير ذلك ، وقيل : المراد طهر قلبه من الأخلاق الذميمة . كالعجب والحسد . والكبر وغيرها ، وقال ابن عطية : الذي يقوى في معنى { ثُمَّ اهتدى } أن يكون ثم حفظ معتقداته من أن تخالف الحق في شيء من الأشياء فإن الاهتداء على هذا الوجه غير الإيمان وغير العمل انتهى ، ولا يخفى عليك أن هذا يرجع إلى قولنا ثم استقام على الإيمان بما يجب الإيمان به على الوجه الصحيح ، وروى الإمامية من عدة طرق عن أبي جعفر الباقر رضي الله تعالى عنه أنه قال : ثم اهتدى إلى ولايتنا أهل البيت فوالله لو أن رجلاً عبد الله تعالى عمره بين الركن والمقام ثم مات ولا يجيء بولايتنا لأكبه الله تعالى في النار على وجهه .
وأنت تعلم أن ولايتهم وحبهم رضي الله عنهم مما لا كلام عندنا في وجوبه لكن حمل الاهتداء في الآية على ذلك مع كونها حكاية لما خاطب الله تعالى به بني إسرائيل في زمان موسى عليه السلام مما يستدعي القول بأنه عز وجل أعلم بني إسرائيل بأهل البيت وأوجب عليهم ولايتهم إذا ذاك ولم يثبت ذلك في «صحيح الأخبار » .
نعم روى الإمامية من خبر جارود بن المنذر العبدي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له «يا جارود ليلة أسري بي إلى السماء أوحى الله عز وجل إلى أن سل من أرسلنا قبلك من رسلنا علام بعثوا قلت : علام بعثوا ؟ قال : على نبوتك وولاية علي بن أبي طالب والأئمة منكما ثم عرفني الله تعالى بهم بأسمائهم ثم ذكر صلى الله عليه وسلم أسماءهم واحداً بعد واحد إلى المهدي وهو خبر طويل يتفجر الكذب منه . ولهم أخبار في هذا المطلب كلها من هذا القبيل فلا فائدة في ذكرها إلا التطويل . والآية تدل على تحقق المغفرة لمن اتصف بمجموع الصفات المذكورة . وقصارى ما يفهم منها عند القائلين بالمفهوم عدم تحقيقها لمن لم يتصف بالمجموع وعدم التحقق اعم من تحقق العدم فالآية بمعزل عن أن تكون دليلاً للمعتزلي على تحقق عدم المغفرة لمرتكب الكبيرة إذا مات من غير توبة فافهم واحتج بها من قال تجب التوبة عن الكفر أولاً ثم الإتيان بالإيمان ثانياً لأنه قدم فيها التوبة على الإيمان ، واحتج بها أيضاً من قال بعدم دخول العمل الصالح في الإيمان للعطف المقتضى للمغايرة .
ومن باب الإشارة : { وَلاَ تَطْغَوْاْ فِيهِ } [ طه : 81 ] عد من الطغيان فيه استعماله مع الغفلة عن الله تعالى وعدم نية التقوى به على تقواه عز وجل
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.