اللباب في علوم الكتاب لابن عادل - ابن عادل  
{قَالَ فَإِنَّا قَدۡ فَتَنَّا قَوۡمَكَ مِنۢ بَعۡدِكَ وَأَضَلَّهُمُ ٱلسَّامِرِيُّ} (85)

قوله : { فَإِنَّا{[26077]} قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ } أي : ابتلينا الذين خَلَّفَتَهُم{[26078]} مع هارون ، وكانوا ستمائة ألف ، فَأُفْتِنُوا بالعجل غير اثني عشر ألفاً من بعدك انطلاقك إلى الجبل{[26079]} .

فصل{[26080]}

قالت المعتزلة : لا يجوز أن يكون المرادُ أنَّ الله -تعالى- خلقَ فيهم الكفر لوجهين :

الأول : الدلائل العقلية ( الدالة على ){[26081]} أنه لا يجوز من الله -تعالى- أن يفعل ذلك .

والثاني{[26082]} : أنَّه قال : " وَأَضَلَّهُمُ السَّامِريّ " .

وأيضاً : فلأن موسى لمَّا طالبَهُم بذكر{[26083]} سبب الفتنة ، فقال : { أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ العهد أَمْ أَرَدتُّمْ أَن يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّكُمْ }{[26084]} فلو{[26085]} حصل ذلك بخلق الله لكان لهم أن يقولوا السبب فيه أن الله خلقه فِينَا لا ما ذكرت ، فكان يبطل كلام موسى -عليه السلام{[26086]}- . وأيضاً{[26087]} فقوله : { أَمْ أَرَدتُّمْ أَن يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّكُمْ } ولو كان{[26088]} ذلك بخلقه لاستحال أن يغضبَ عليهم فيما هو الخالق له{[26089]} ، ولما بطل ذلك وجب أن يكون لقوله : " فَتَنَّا " معنًى{[26090]} آخر ، وذلك لأن الفتنة قد تكون بمعنى الامتحان ، يقال : فَتَنْتُ الذَّهَبَ بالنار إذا امتحنته بالنار فتميز الجيد من الرديء{[26091]} ، فهاهنا{[26092]} شدَّد الله التكليف عليهم ، لأن السَّامِرِيَّ ، لما أخرج لهم العجل صاروا مكلفين بأن يستدلوا بحدوث جملة العالم والأجسام على أنَّ له إلهاً بجسم وحينئذ يعرفون{[26093]} أن العجل لا يصلح للإلهية فكان هذا التعبد تشديداً في التكليف ، ( والتشديد في التكليف ){[26094]} موجود .

قال تعالى : { أَحَسِبَ الناس أَن يتركوا أَن يقولوا آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ }{[26095]}

والجواب : ليس في ظهور صوت من عجلٍ{[26096]} متخذٍ{[26097]} من الذهب شبهة أعظم مما{[26098]} في الشمس والقمر ، والدليل{[26099]} الذي ينفي كون الشمس والقمر إلهاً أولى بأن ينفي كون العجل إلهاً ، فحينئذ لا يكون حدوث العجل تشديداً في التكليف{[26100]} ولا يصح حمل الآية عليه ، فوجب حمله على خلق الضلال فيهم .

وقوله{[26101]} : أضاف الإضلال إلى السَّامري . قلنا : أليس أن جميع المسببات العادية تضاف إلى أسباب من الظاهر وإن كان الموجد هو الله -تعالى{[26102]}- فكذا هاهنا . وأيضاً قرئ " وَأَضَلَّهُم{[26103]} السَّامِرِيّ " أي{[26104]} : وأشد ضلالهم السامري ، وعلى هذا{[26105]} لا يبقى للمعتزلة استدلال ، ثم الذي يحسم مادة الشغب مسألة الداعي . قوله : { وَأَضَلَّهُم السَّامِرِي } العامة على أنه فعلٌ ماض مسند إلى السامري{[26106]} .

وقرأ أبو معاذ " وَأَضَلُّهُم " مرفوعاً بالابتداء ، وهو أفعل تفضيل ، و " السَّامِرِيُّ " خبره{[26107]} .

ومعنى " أَضَلَّهُمْ " أي : دَعَاهم وصَرفَهُم إلى عبادة العِجْلِ ، وأضاف الإضلال إلى السَّامِرِيُّ ، لأنهم ضلوا بسببه{[26108]} . قال ابن عباس{[26109]} في رواية سعيد بن جبير : كان السامري عِلْجاً{[26110]} من أهل كِرْمان وقع إلى مصر ، وكان من قوم يعبدون البقر ، والأكثرون على أنه كان من عظماء بني إسرائيل من قبيلة يقال لها : السَّامرة . قاله الزجاج{[26111]} .

وقال عطاء عن ابن عباس كان الرجلُ من القبطِ جاراً لموسى وقد آمن رُوِيَ أنهم أقاموا{[26112]} بعد مفارقة موسى عشرين{[26113]} ليلة وحسبوها أربعين مع أيَّامِها ، وقالوا قد أكملنا العدة ، ثم كان{[26114]} أمر العجل بعد ذلك .

فإن قيل : كيف التوفيق بين هذا وبين قوله لموسى عند مقدمه { فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ } .

فالجواب{[26115]} من وجهين :

الأول{[26116]} : أنه تعالى أخبر عن الفتنة المترقبة بلفظ الموجودة{[26117]} الكائنة على عادته كقوله : { اقتربت الساعة }{[26118]} { ونادى أَصْحَابُ الجنة }{[26119]} إلى غير ذلك .

الثاني : أنَّ السامري شرع في تدبير الأمر لما غاب موسى -عليه السلام{[26120]}- ثم رجع موسى إلى قومه بعد ما استوفى الأربعين ذا القعدة وعشر{[26121]} ذي الحجة{[26122]} .


[26077]:في ب: "قال فإنّا...".
[26078]:في ب: خلفهم. وهو تحريف.
[26079]:انظر البغوي 5/450.
[26080]:هذا الفصل نقله ابن عادل عن الفخر الرازي 22/100 – 101.
[26081]:ما بين القوسين سقط من ب.
[26082]:في ب: الثاني.
[26083]:في ب: لم يذكر. وهو تحريف.
[26084]:[طه: 68].
[26085]:في ب: أعني لو.
[26086]:عليه السلام: سقط من ب.
[26087]:في ب: أيضا.
[26088]:في ب: فلو حصل.
[26089]:في ب: فبما هو خلقه.
[26090]:في ب: أمرا. وهو تحريف.
[26091]:اللسان (فتن).
[26092]:في ب: فهنا.
[26093]:في النسختين: يعرفوا. والصواب ما أثبته.
[26094]:ما بين القوسين سقط من ب.
[26095]:[العنكبوت: 2].
[26096]:من: سقط من ب.
[26097]:متخذ: سقط من ب.
[26098]:في ب: ما.
[26099]:الدليل: سقط من ب.
[26100]:في ب: في التشبيه والتكليف.
[26101]:في ب: فإن قيل.
[26102]:تعالى: سقط من ب.
[26103]:في ب: فـأضلهم.
[26104]:أي: سقط من ب.
[26105]:في ب: على.
[26106]:انظر البحر المحيط 6/267.
[26107]:انظر المختصر : 89، البحر المحيط 6/267.
[26108]:انظر البغوي 5/450.
[26109]:من هنا نقله ابن عادل عن الفخر الرازي 22/101.
[26110]:العلج: الرجل الشديد الغليظ، وقيل: كل ذي لحية، والجمع أعلاج وعلوج. اللسان (علج).
[26111]:قال الزجاج : "قال بعض أهل التفسير: السّامري علج من أهل كرمان والأكثر في التفسير أنه كان عظيما من عظماء بني إسرائيل من قبيلة تعرف بالسامرة وهم إلى هذه الغاية في الشام يعرفون بالسامريين). معاني القرآن وإعرابه 3/371.
[26112]:في ب: روي أنه كان. وهو تحريف.
[26113]:في الأصل: عشرون. وهو تحريف.
[26114]:في ب: وقد كان.
[26115]:في ب: فالجواب عن ذلك.
[26116]:في ب: أحدهما.
[26117]:في ب: بلفظ القدرة الموجودة.
[26118]:[القمر: 1].
[26119]:[الأعراف: 44].
[26120]:في ب: عليه الصلاة والسلام.
[26121]:في ب: وعشرة.
[26122]:آخر ما نقله هنا عن الفخر الرازي 22/101.