مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{فَتَعَٰلَى ٱللَّهُ ٱلۡمَلِكُ ٱلۡحَقُّۖ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ ٱلۡعَرۡشِ ٱلۡكَرِيمِ} (116)

ثم إنه تعالى نزه نفسه عن العبث بقوله : { فتعالى الله الملك الحق } والملك هو المالك للأشياء الذي لا يبيد ولا يزول ملكه وقدرته ، وأما الحق فهو الذي يحق له الملك لأن كل شيء منه وإليه ، وهو الثابت الذي لا يزول ولا يزول ملكه ، وبين أنه لا إله سواه وأن ما عداه فمصيره إلى الفناء وما يفنى لا يكون إلها وبين أنه تعالى : { رب العرش الكريم } . قال أبو مسلم والعرش ههنا السماوات بما فيها من العرش الذي تطوف به الملائكة ويجوز أن يعني به الملك العظيم ، وقال الأكثرون : المراد هو العرش حقيقة وإنما وصفه بالكريم لأن الرحمة تنزل منه والخير والبركة ولنسبته إلى أكرم الأكرمين كما يقال بيت كريم إذا كان ساكنوه كراما ، وقرئ الكريم بالرفع ونحوه ذو العرش المجيد .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{فَتَعَٰلَى ٱللَّهُ ٱلۡمَلِكُ ٱلۡحَقُّۖ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ ٱلۡعَرۡشِ ٱلۡكَرِيمِ} (116)

{ فتعالى الله } استعظام له تعالى ولشؤونه سبحانه التي يصرف عليها عباده جل وعلا من البدء والإعادة والإثابة والعقاب بموجب الحكمة البالغة أي ارتفع سبحانه بذاته وتنزه عن مماثلة المخلوقين في ذاته وصفاته وأفعاله وعن خلو أفعاله عن الحكم والمصالح الحميدة .

{ الملك الحق } أي الحقيق بالمالكية على الإطلاق إيجاداً وإعداماً بدأ وإعادة إحياء وإماتة عقاباً وإثابة وكل ما سواه مملوك له مقهور تحت ملكوتيته ، وقيل : الحق أي الثابت الذي لا يزول ولا يزول ملكه ، وهذا وإن كان أشهر إلا أن الأول أوفق بالمقام { لاَ إله إِلاَّ هُوَ } فإن كل ما عداه عبيده تعالى : { رَبُّ العرش الكريم } وهو جرم عظيم وراء عالم الأجسام والأجرام وهو أعظمها وقد جاء في وصف عظمه ما يبهر العقول فيلزم من كونه تعالى ربه كونه سبحانه رب كل الأجسام والأجرام ، ووصف بالكريم لشرفه وكل ما شرف في بابه وصف بالكرم كما في قوله تعالى : { وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ } [ الدخان : 26 ] وقوله سبحانه : { وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا } [ الإسراء : 23 ] إلى غير ذلك .

وقد شرف بما أودع الله تعالى فيه من الأسرار ، وأعظم شرف له تخصيصه باستوائه سبحانه عليه ، وقيل إسناد الكرم إليه مجازي والمراد الكريم ربه أو المراد ذلك على سبيل الكناية ، وقيل : هو على تشبيه العرش لنزول الرحمة والبركة منه بشخص كريم ولعل ما ذكرناه هو الأظهر .

وقرأ أبان بن تغلب . وابن محيصن . وأبو جعفر . وإسماعيل عن ابن كثير { الكريم } بالرفع على أنه صفة الرب ، وجوز أن يكون صفة للعرش على القطع وقد يرجح بأنه أوفق بقراءة الجمهور .