مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ ٱلَّيۡلَ وَٱلنَّهَارَ خِلۡفَةٗ لِّمَنۡ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوۡ أَرَادَ شُكُورٗا} (62)

وأما الخلفة ففيها قولان : الأول : أنها عبارة عن كون الشيئين بحيث أحدهما يخلف الآخر ويأتي خلفه ، يقال بفلان خلفة واختلاف ، إذا اختلف كثيرا إلى متبرزه ، والمعنى جعلهما ذوي خلفة أي ذوي عقبة يعقب هذا ذاك وذاك هذا . قال ابن عباس رضي الله عنهما جعل كل واحد منهما يخلف صاحبه فيما يحتاج أن يعمل فيه فمن فرط في عمل في أحدهما قضاه في الآخر ، قال أنس بن مالك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمر بن الخطاب وقد فاتته قراءة القرآن بالليل : «يا ابن الخطاب لقد أنزل الله فيك آية وتلا : { وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر } . ما فاتك من النوافل بالليل فاقضه في نهارك ، وما فاتك من النهار فاقضه في ليلك » . القول الثاني : وهو قول مجاهد وقتادة والكسائي يقال لكل شيئين اختلفا هما خلفان فقوله { خلفة } أي مختلفين وهذا أسود وهذا أبيض وهذا طويل وهذا قصير ، والقول الأول أقرب .

أما قوله تعالى : { أن يذكر } فقراءة العامة بالتشديد وقراءة حمزة بالتخفيف وعن أبي بن كعب ( يتذكر ) ، والمعنى لينظر الناظر في اختلافهما فيعلم أنه لابد في انتقالهما من حال إلى حال من ناقل ومغير وقوله : { أن يذكر } راجع إلى كل ما تقدم من النعم ، بين تعالى أن الذين قالوا وما الرحمان لو تفكروا في هذه النعم وتذكروها لاستدلوا بذلك على عظيم قدرته ، ولشكر الشاكرين على النعمة فيهما من السكون بالليل والتصرف بالنهار كما قال تعالى : { ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله } أو ليكونا وقتين للمتذكرين والشاكرين ، من فاته في أحدهما ورد من العبادة قام به في الآخر ، والشكور مصدر شكر يشكر شكورا .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ ٱلَّيۡلَ وَٱلنَّهَارَ خِلۡفَةٗ لِّمَنۡ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوۡ أَرَادَ شُكُورٗا} (62)

{ وَهُوَ الذى جَعَلَ اليل والنهار خِلْفَةً } أي ذوي خلفة يخلف كل منهما الآخر بأن يقوم مقامه فيما ينبغي أن يعمل فيه . وروي هذا عن ابن عباس . والحسن . وسعيد بن جبير . وقيل : بأن يعقبه ويجيء بعده وهو اسم للحالة من خلف كالركبة والجلسة من ركب وجلس . ونصبه على أنه مفعول ثان لجعل أو حال إن كان بمعنى خلق . وجعله بعضهم بمعنى اختلافاً والمراد الاختراف في الزيادة والنقصان كما قيل أو في الوساد والبياض كما روي عن مجاهد أو فيما يعم ذلك وغيره كما هو محتمل ؛ وفي البحر يقال : بفلان خلفة واختلاف إذا اختلف كثيراً إلى متبرزه . ومن هذا المعنى قول زهير :

بها العين والآرام يمشين خلفة *** واطلاؤها ينهضن من كل مجثم

وقول الآخر يصف امرأة تنتقل من منزل في الشتاء إلى منزل في الصيف دأباً :

ولها بالماطرون إذا *** أكل النمل الذي جمعا

خلفة حتى إذا ارتفعت *** سكنت من جلق بيعا

في بيوت وسط دسكرة *** حولها الزيتون قد نبعا

انتهى وجوز عليه أن يكون المراد يذهب كل منهما ويجيء كثيراً . واعتبار المضاف المقدر على حاله وكذا فيما قبله . وفي القاموس الخلف والخلفة بالكسر المختلف . وعليه لا حاجة إلى تقدير المضاف . والمعنى جعلهما مختلفين والإفراد لكونه مصدراً في الأصل { لّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ } أي ليكونا وقتين للمتذكر من فاته ورده من العبادة في أحدهما تداركة في الآخر ، وروي هذا عن جماعة من السلف ، وروي الطيالسي . وابن أبي حاتم أن عمر رضي الله تعالى عنه أطال صلاة الضحى فقيل له . صنعت شيئاً لم تكن تصنعه قال : إنه بقي على من وردى شيء فأحببت أن أتمه أو قال : أقضيه وتلا هذه الآية . وكأن التذكر مجاز عن أداء ما فات وهو «مما يتوقف الأداء عليه ، وفي الكلام تقدير كما أشير إليه . ويجوز أن يكون تقدير معنى لا إعراب { أَوْ أَرَادَ شُكُوراً } أن يشكر الله تعالى بأداء نوع من العبادة لم يكن ورداً له . وفي مجمع البيان المعنى لمن أراد النافلة بعد أداء الفريضة ، ويجوز أن يكون المعنى لمن أراد أن يتذكر ويتفكر في بدائع صنع الله تعالى فيعلم أنه لا بد لما ذكر من صانع حكيم واجب الذات ذي رحمة على العباد أو أراد أن يشكر الله سبحانه على ما فيهما من النعم وهو وجه حسن يكاد لا يلتفت لغيره لو لم يكن مأثوراً ، والظاهر أن اللام على هذا صلة { جَعَلَ } ولما كان ظهور فائدة ذلك لمن أراد التذكر أو أراد الشكر اقتصر عليه ، وجوز أن تكون للتعليل و { أَوْ } للتنويع على معنى الاشتمال على هذين المعنيين أو للتخيير على معنى الاستقلال بكل ولا منع من الاجتماع . وفائدة هذا الأسلوب إفادة الاستقلال ولو ذكر الواو بدلها لتوهم المعية ، ولعل في التعبير أولاً بأن والفعل دون المصدر الصريح كما في الشق الثاني مع أنه أخصر إيماء إلى الاعتناء بأمر التذكر فتذكر .

وقرأ أبي بن كعب { ءانٍ * يَتَذَكَّرُ } وهو أصل ليذكر فابدل التاء ذالا وأدغم . وقرأ النخعي . وابن وثاب . وزيد بن علي . وطلحة . وحمزة { أَن يَذَّكَّرَ } مضارع ذكر الثلاثي بمعنى تذكر .