مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{وَهُوَ ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۖ لَهُ ٱلۡحَمۡدُ فِي ٱلۡأُولَىٰ وَٱلۡأٓخِرَةِۖ وَلَهُ ٱلۡحُكۡمُ وَإِلَيۡهِ تُرۡجَعُونَ} (70)

ولما بين علمه بما هم عليه من الغل والحسد والسفاهة قال : { وهو الله لا إله إلا هو } وفيه تنبيه على كونه قادرا على كل الممكنات ، وعالما بكل المعلومات ، منزها عن النقائص والآفات يجازي المحسنين على طاعتهم ويعاقب العصاة على عصيانهم وفيه نهاية الزجر والردع للعصاة ونهاية تقوية القلب للمطيعين ، ويحتمل أيضا أنه لما بين فساد طريق المشركين من قوله : { ويوم يناديهم } فيقول { أين شركائى } ختم الكلام في ذلك بإظهار هذا التوحيد وبيان أن الحمد والثناء لا يليق إلا به .

أما قوله : { له الحمد في الأولى والآخرة } فهو ظاهر على قولنا لأن الثواب غير واجب عليه بل هو سبحانه يعطيه فضلا وإحسانا فله الحمد في الأولى والآخرة ، ويؤكد ذلك قول أهل الجنة { الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن } { الحمد لله الذي صدقنا وعده } { وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين } أما المعتزلة فعندهم الثواب مستحق فلا يستحق الحمد بفعله من أهل الجنة ، وأما أهل النار فما أنعم عليهم حتى يستحق الحمد منهم ، قال القاضي إنه يستحق الحمد والشكر من أهل النار أيضا بما فعله بهم في الدنيا من التمكين والتيسير والإلطاف وسائر النعم ، لأنهم بإساءتهم لا يخرج ما أنعم الله عليهم من أن يوجب الشكر ، وهذا فيه نظر ، لأن أهل الآخرة مضطرون إلى معرفة الحق فإذا علموا بالضرورة أن التوبة عن القبائح يجب على الله قبولها وعلموا بالضرورة أن الاشتغال بالشكر الواجب عليهم يوجب على الله الثواب وهم قادرون على ذلك وعالمون بأن بذلك مما يخلصهم عن العذاب ويدخلهم في استحقاق الثواب أفترى أن الإنسان مع العلم بذلك والقدرة عليه يترك هذه التوبة ؟ كلا ، بل لا بد أن يتوبوا وأن يشتغلوا بالشكر ، ومتى فعلوا ذلك فقد بطل العقاب .

أما قوله : { وله الحكم } فهو إما في الدنيا أو في الآخرة فأما في الدنيا فحكم كل أحد سواه إنما نفذ بحكمه ، فلولا حكمه لما نفذ على العبد حكم سيده ولا على الزوجة حكم زوجها ولا على الابن حكم أبيه ولا على الرعية حكم سلطانهم ولا على الأمة حكم الرسول ، فهو الحاكم في الحقيقة ، وأما في الآخرة فلا شك أنه هو الحاكم ، لأنه الذي يتولى الحكم بين العباد في الآخرة ، فينتصف للمظلومين من الظالمين .

أما قوله : { وإليه ترجعون } فالمعنى وإلى محل حكمه وقضائه ترجعون ، فإن كلمة إلى لانتهاء الغاية وهو تعالى منزه من المكان والجهة .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَهُوَ ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۖ لَهُ ٱلۡحَمۡدُ فِي ٱلۡأُولَىٰ وَٱلۡأٓخِرَةِۖ وَلَهُ ٱلۡحُكۡمُ وَإِلَيۡهِ تُرۡجَعُونَ} (70)

{ وَهُوَ الله } أي وهو تعالى المستأثر بالألوهية المختص بها ، وقوله سبحانه : { لاَ إله إِلاَّ هُوَ } تقرير لذلك كقولك : الكعبة القبلة لا قبلة إلا هي .

{ لَهُ الحمد في الاولى والآخرة } أي له تعالى ذلك دون غيره سبحانه لأنه جل جلاله المعطي لجميع النعم الذات وما سواه وسائط ، والمراد بالحمد هنا ما وقع في مقابلة النعم بقرينة ذكرها بعده بقوله تعالى : { قُلْ أَرَءيْتُمْ } [ القصص : 71 ] الخ .

وزعم بعضهم أن الحمد هنا أعم من الشكر ، واعتبر الحصر بالنسبة إلى مجموع حمدي الدارين زاعماً أن الحمد في الدنيا وإن شاركه فيه غيره تعالى لكن الحمد في الآخرة لا يكون إلا له تعالى ، وفيه أن الحمد مطلقاً مختص به تعالى لأن الفضائل والأوصاف الجميلة كلها بخلقه تعالى فيرجع الحمد عليها في الآخرة له تعالى لأنه جل وعلا مبديها ومبدعها ، ولو نظر إلى الظاهر لم يكن حمد الآخرة مختصاً به سبحانه أيضاً فإن نبينا صلى الله عليه وسلم يحمده الأولون والآخرون عند الشفاعة الكبرى ، وفسر غير واحد حمده تعالى في الآخرة يقول المؤمنين : { الحمد للَّهِ الذي صَدَقَنَا وَعْدَهُ } [ الزمر : 74 ] وقولهم : { الحمد للَّهِ الذي أَذْهَبَ عَنَّا الحزن } [ فاطر : 34 ] . وقولهم : { الحمد للَّهِ رَبّ العالمين } [ الزمر : 75 ] ، وقالوا : التحميد هناك على وجه اللذة لا الكلفة ، وفي حديث رواه مسلم . وأبو داود ، عن جابر في وصف أهل الجنة يلهمون التسبيح والتهليل كما يلهمون النفس { وَلَهُ الحكم } أي القضاء النافذ في كل شيء من غير مشاركة فيه لغيره تعالى ، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أي له الحكم بين عباده تعالى فيحكم لأهل طاعته بالمغفرة والفضل ولأهل معصيته بالشقاء والويل { وَإِلَيْهِ } سبحانه لا إلى غيره .

{ تُرْجَعُونَ } بالبعث .