مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{إِنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ مَا يَدۡعُونَ مِن دُونِهِۦ مِن شَيۡءٖۚ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ} (42)

ثم قال تعالى : إن الله يعلم ما يدعون من دونه من شيء وهو العزيز الحكيم }

قال الزمخشري : هذا زيادة توكيد على التمثيل حيث إنهم لا يدعون من دونه من شيء ، بمعنى ما يدعون ليس بشيء وهو عزيز حكيم فكيف يجوز للعاقل أن يترك القادر الحكيم ويشتغل بعبادة ما ليس بشيء أصلا ، وهذا يفهم منه أنه جعل ما نافية ، وهو صحيح ، والعلم يتعلق بالجملة كما يقول القائل : إني أعلم أن الله واحد حق ، يعني أعلم هذه الجملة ، وإن كنا نجعل ما خبرية فيكون معناه ما يدعون من شيء فالله يعلمه وهو العزيز الحكيم قادر على إعدامه وإهلاكهم ، لكنه حكيم يمهلهم ليكون الهلاك عن بينة والحياة عن بينة ، ومن ههنا يكون الخطاب مع أمة محمد صلى الله عليه وسلم وعلى هذا لو قال قائل ما وجه تعلق هذه الآية بالتمثيل السابق ؟ فنقول لما قال إن مثلهم كمثل العنكبوت ، فكان للكافر أن يقول أنا لا أعبد هذه الأوثان التي أتخذها وهي تحت تسخيري ، وإنما هي صورة كوكب أنا تحت تسخيره ومنه نفعي وضري وخيري وشري ووجودي ودوامي فله سجودي وإعظامي ، فقال الله تعالى : الله يعلم أن كل ما يعبدون من دون الله هو مثل بيت العنكبوت لأن الكوكب والملك وكل ما عدا الله لا ينفع ولا يضر إلا بإذن الله فعبادتكم للغائب كعبادتكم للحاضر ولا معبود إلا الله ولا إله سواه .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{إِنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ مَا يَدۡعُونَ مِن دُونِهِۦ مِن شَيۡءٖۚ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ} (42)

{ إِنَّ الله يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ مِن شَىْء } على إضمار القول أي قل للكفرة إن الله الخ ، وقيل : لا حاجة إلى إضماره لجوز أن يكون { تَدْعُونَ } من باب الالتفات للإيذان بالغضب ، وفيه بحث . وقرأ أبو عمرو . وسلام { يَعْلَمُ مَا } بالإدغام . وأبو عمرو . وعاصم بخلاف { يَدَّعُونَ } بياء الغيبة حملاً على ما قبله ، و { مَا } استفهامية منصوبة بتدعون و { يَعْلَمْ } معلقة عنها فالجملة في موضع نصب بها و { مِنْ } الأولى متعلقة بتدعون على ما هو الظاهر و { مِنْ } الثانية للتبيين ، وجوز كونها للتبعيض ، ويحوز كون ما نافية ومن الثانية مزيدة وشيء مفعول تدعون ، أي لستم تدعون من دونه تعالى شيئاً ، كأن ما يدعونه من دونه عز وجل لمزيد حقارته لا يصلح أن يسمى شيئاً ، وجوز كونها مصدرية وهي وما بعدها في تأويل مصدر مفعول يعلم على أنها بمعنى يعرف ناصبة لمفعول واحد ومن تبعيضية ، أي يعرف دعاءكم وعبادتكم بعض شيء من دونه وقيل : { مِنْ } للتبيين و { شَىْء } بمعنى ذلك المصدر وتنوينه للتحقير ، أي يعرف دعوتكم من دونه هي دعوة حقيرة ، وجوز كونها موصولة مفعول يعلم بمعنى يعرف ومفعول تدعون عائدها المحذوف ومن إما بيان للموصول أو تبعيضية .

وجوز زيادتها على هذا الوجه وما بعده ، ولا يخفى ما فيه ، والكلام على الوجهين الأولين في { مَا } تجهيل للكفرة المتخذين من دون الله تعالى أولياء لما فيهما من نفي الشيئية عما اتخذوه وليا ؛ والاستفهام عنه الذي هو في معنى النفي لأنه إنكار ، وفيه توكيد للمثل لأن كون معبودهم ليس بشيء يعبأ به مناسب ولذا لم يعطف ، وعلى الوجهين الأخيرين فيها وعيد لهم لأن العلم بدعوتهم وعبادتهم عبارة عن مجازاتهم عليها وكذا العلم بما يدعونه عبارة عن مجازاتهم على دعائهم إياه ، وترك العطف فيه لأنه استئناف ، ويجوز أرادة التجهيل والوعيد في الوجوه كلها ، وقوله تعالى : { وَهُوَ العزيز الحكيم } في موضع الحال ويفهم منه التعليل على المعنيين ، فإن من فرط الغباوة اشراك ما لا يعد شيئاً بمن هذا شأنه ، وإن الجماد بالإضافة إلى القادر القاهر على كل شيء البالغ في العلم وإتقان الفعل الغاية القاصية كالمعدم والبحت ، وإن من هذا صفته قادر على مجازاتهم .