مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{وَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِـَٔايَٰتِ رَبِّهِۦ ثُمَّ أَعۡرَضَ عَنۡهَآۚ إِنَّا مِنَ ٱلۡمُجۡرِمِينَ مُنتَقِمُونَ} (22)

قوله تعالى : { ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه ثم أعرض عنها ، إنا من المجرمين منتقمون ، ولقد آتينا موسى الكتاب فلا تكن في مرية من لقائه وجعلناه لبني إسرائيل ، وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون }

قوله تعالى : { ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه ثم أعرض عنها } يعني لنذيقنهم ولا يرجعون فيكونون قد ذكروا بآيات الله من النعم أولا والنقم ثانيا ولم يؤمنوا فلا أظلم منهم أحد ، لأن من يكفر بالله ظالم فإن الله لذوي البصائر ظاهر لا يحتاج المستنير الباطن إلى شاهد يشهد عليه بل هو شهيد على كل شيء كما قال تعالى : { أو لم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد } أي دليلك الله لا يحتاج المستنير الباطن إلى دليل على الله ، ولهذا قال بعض العارفين رأيت الله قبل كل شيء فمن لم يكفه الله فسائر الموجودات سواء ، كان فيها نفع أو ضر كاف في معرفة الله كما قال تعالى : { سنريهم آياتنا في الآفاق وفى أنفسهم } فإن لم يكفهم ذلك فبسبغه عليهم نعمه ظاهرة وباطنة ، فالأول الذي لا يحتاج إلى غير الله هو عدل والثاني الذي يحتاج إلى دليل فهو متوسط والثالث الذي لم تكفه الآفاق ظالم والرابع الذي لم تقنعه النعم أظلم من ذلك الظالم وقد يكون أظلم منه آخر ، وهو الذي إذا أذيق العذاب لا يرجع عن ضلالته ، فإن الأكثر كان من صفتهم أنهم إذا مسهم ضر دعوا ربهم منيبين إليه فهذا لما عذب ولم يرجع فلا أظلم منه أصلا فقال : { ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه ثم أعرض عنها } .

ثم قال تعالى : { إنا من المجرمين منتقمون } أي لما لم ينفعهم العذاب الأدنى فأنا منتقم منهم بالعذاب الأكبر .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِـَٔايَٰتِ رَبِّهِۦ ثُمَّ أَعۡرَضَ عَنۡهَآۚ إِنَّا مِنَ ٱلۡمُجۡرِمِينَ مُنتَقِمُونَ} (22)

{ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكّرَ بئايات رَبّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا } بيان إجمالي لمن قابل آيات الله تعالى بالإعراض بعد بيان حال من قابلها بالسجود والتسبيح والتحميد ، وكلمة { ثُمَّ } لاستبعاد الإعراض عنها عقلاً مع غاية وضوحها وإرشادها إلى سعادة الدارين كما في قول جعفر بن علية الحارثي :

ولا يكشف الغماء إلا ابن حرة *** يرى غمرات الموت ثم يزورها

والمراد أن ذلك أظلم من كل ظالم { إِنَّا مِنَ المجرمين } قيل : أي من كل من اتصف بالإجرام وكسب الأمور المذمومة وإن لم يكن بهذه المثابة { مُنتَقِمُونَ } فكيف ممن هو أظلم ممن هو أظلم من كل ظالم وأشد جرماً من كل جازم ، ففي الجملة إثبات الانتقام منه بطريق برهاني .

وجوز أن يراد بالمجرم المعرض المذكور وقد أقيم المظهر مقام المضمر الراجع إلى { مِنْ } باعتبار معناها وكان الأصل أنا منهم منتقمون ليؤذن بأن علة الانتقام ارتكاب هذا المعرض مثل هذا الجرم العظيم : وفسر البغوي المجرمين هنا بالمشركين . وقال الطيبي عليه الرحمة بعد حكايته : ولا ارتياب أن الكلام في ذم المعرضين وهذا الأسلوب أذم لأنه يقرر أن الكافر إذا وصف بالظلم والإجرام حمل على نهاية كفره وغاية تمرده ولأن هذه الآية كالخاتمة لأحوال المكذبين القائلين : { أَمْ يَقُولُونَ افتراه } والتخلص إلى قصة الكليم مسلاة لقلب الحبيب عليهما الصلاة والسلام إلى آخر ما ذكره فليراجع .