مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{مِثۡلَ دَأۡبِ قَوۡمِ نُوحٖ وَعَادٖ وَثَمُودَ وَٱلَّذِينَ مِنۢ بَعۡدِهِمۡۚ وَمَا ٱللَّهُ يُرِيدُ ظُلۡمٗا لِّلۡعِبَادِ} (31)

ثم فسر قوله { إني أخاف عليكم مثل يوم الأحزاب } بقوله { مثل دأب قوم نوح وعاد وثمود } ودأب هؤلاء دونهم في عملهم من الكفار والتكذيب وسائر المعاصي ، فيكون ذلك دائبا ودائما لا يفترون عنه ، ولا بد من حذف مضاف يريد مثل جزاء دأبهم ، والحاصل أنه خوفهم بهلاك معجل في الدنيا ، ثم خوفهم أيضا بهلاك الآخرة ، وهو قوله { ومن يضلل الله فما له من هاد } والمقصود منه التنبيه على عذاب الآخرة .

والنوع الثاني : من كلمات ذلك المؤمن قوله تعالى : { وما الله يريد ظلما للعباد } يعني أن تدمير أولئك الأحزاب كان عدلا ، لأنهم استوجبوه بسبب تكذيبهم للأنبياء ، فتلك الجملة قائمة هاهنا ، فوجب حصول الحكم هاهنا ، قالت المعتزلة : { وما الله يريد ظلما للعباد } يدل على أنه لا يريد أن يظلم بعض العباد بعضا ، ويدل على أنه لا يريد ظلم أحد من العباد ، فلو خلق الكفر فيهم ثم عذبهم على ذلك الكفر لكان ظالما ، وإذا ثبت أنه لا يريد الظلم البتة ثبت أنه غير خالق لأفعال العباد ، لأنه لو خلقها لأرادها ، وثبت أيضا أنه قادر على الظلم ، إذ لو لم يقدر عليه لما حصل المدح بترك الظلم ، وهذا الاستدلال قد ذكرناه مرارا في هذا الكتاب مع الجواب ، فلا فائدة في الإعادة .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{مِثۡلَ دَأۡبِ قَوۡمِ نُوحٖ وَعَادٖ وَثَمُودَ وَٱلَّذِينَ مِنۢ بَعۡدِهِمۡۚ وَمَا ٱللَّهُ يُرِيدُ ظُلۡمٗا لِّلۡعِبَادِ} (31)

{ مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ } أي مثل جزاء دأبهم أي عادتهم الدائمة من الكفر وإيذاء الرسل ، وقدر المضاف لأن المخوف في الحقيقة جزاء العمل لا هو ، وجاء هذا من نصب { مَثَلُ } الثاني على أنه عطف بيان لمثل الأول لأن آخر ما تناولته الإضافة قوم نوح ، ولو قلت : أهلك الله الأحزاب قوم نوح . وعاد . وثمود لم يكن إلا عطف بيان لإضافة قوم إلى أعلام فسرى ذلك الحكم إلى أول ما تناولته الإضافة .

وقال ابن عطية : هو بدل من { مَثَلُ } [ غافر : 30 ] الأول ، والاحتياج إلى تقدير المضاف على حاله { والذين مِن بَعْدِهِمْ } كقوم لوط { وَمَا الله يُرِيدُ ظُلْماً لّلْعِبَادِ } أي فما فعل سبحانه بهؤلاء الأحزاب لم يكن ظلماً بل كان عدلاً وقسطاً لأنه عز وجل أرسل إليهم رسلهم بالبينات فكذبوهم وتحزبوا عليهم فاقتضى ذلك اهلاكهم ، وهذا أبلغ من قوله تعالى : { وَمَا رَبُّكَ بظلام لّلْعَبِيدِ } [ فصلت : 46 ] من حيث جعل المنفى فيه إرادة الظلم لأن من كان عن إرادة الظلم بعيداً كان عن الظلم نفسه أبعد ، وحيث نكر الظلم كأنه نفي أن يريد ظلماً ما لعباده ، وجوز الزمخشري أن يكون معناه كمعنى قوله تعالى : { وَلاَ يرضى لِعِبَادِهِ الكفر } [ الزمر : 7 ] أي لا يريد سبحانه لهم أن يظلموا يعني أنه عز وجل دمرهم لأنهم كانوا ظالمين ، ولا يخفى أن هذا المعنى مرجوح لفظاً ومعنى ، ثم لا حجة فيه للمعتزلة لثبوت الفرق بين أراده منه وأراده له فلو سلم أنه سبحانه لا يريد لهم أن يظلمو لم يلزم أن لا يريده منهم والممتنع عند أهل السنة هو هذا فلا احتياج إلى صرف الآية عن الظاهر عندهم أيضاً .