مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَآ إِلَىٰٓ أُمَمٖ مِّن قَبۡلِكَ فَأَخَذۡنَٰهُم بِٱلۡبَأۡسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ لَعَلَّهُمۡ يَتَضَرَّعُونَ} (42)

قوله تعالى { ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فأخذناهم بالبأساء والضراء لعلهم يتضرعون }

اعلم أنه تعالى بين في الآية الأولى أن الكفار عند نزول الشدائد يرجعون إلى الله تعالى ، ثم بين في هذه الآية أنهم لا يرجعون إلى الله عند كل ما كان من جنس الشدائد ، بل قد يبقون مصرين على الكفر منجمدين عليه غير راجعين إلى الله تعالى ، وذلك يدل على مذهبنا من أن الله تعالى إذا لم يهده لم يهتد ، سواء شاهد الآيات الهائلة ، أو لم يشاهدها ، وفي الآية مسائل :

المسألة الأولى : في الآية محذوف والتقدير : ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك رسلا فخالفوهم فأخذناهم بالبأساء والضراء ، وحسن الحذف لكونه مفهوما من الكلام المذكور . وقال الحسن ( البأساء ) شدة الفقر من البؤس ( والضراء ) الأمراض والأوجاع .

ثم قال : { لعلهم يتضرعون } والمعنى : إنما أرسلنا الرسل إليهم وإنما سلطنا البأساء والضراء عليهم لأجل أن يتضرعوا . ومعنى التضرع التخشع وهو عبارة عن الانقياد وترك التمرد ، وأصله من الضراعة وهي الذلة ، يقال ضرع الرجل يضرع ضراعة فهو ضارع أي ذليل ضعيف ، والمعنى أنه تعالى أعلم نبيه أنه قد أرسل قبله إلى أقوام بلغوا في القسوة إلى أن أخذوا بالشدة في أنفسهم وأموالهم فلم يخضعوا ولم يتضرعوا ، والمقصود منه التسلية للنبي صلى الله عليه وسلم .

فإن قيل : أليس قوله { بل إياه تدعون } يدل على أنهم تضرعوا ؟ وهاهنا يقول : قست قلوبهم ولم يتضرعوا .

قلنا : أولئك أقوام ، وهؤلاء أقوام آخرون . أو نقول أولئك تضرعوا لطلب إزالة البلية ولم يتضرعوا على سبيل الإخلاص لله تعالى فلهذا الفرق حسن النفي والإثبات .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَآ إِلَىٰٓ أُمَمٖ مِّن قَبۡلِكَ فَأَخَذۡنَٰهُم بِٱلۡبَأۡسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ لَعَلَّهُمۡ يَتَضَرَّعُونَ} (42)

{ وَلَقَدْ أَرْسَلنَا إلى أُمَمٍ مّن قَبْلِكَ } كلام مستأنف سيق لبيان أن من المشركين من لا يدعو الله تعالى عند إتيان العذاب لتماديه في الغي والضلال ولا يتأثر بالزواجر التكوينية كما لا يتأثر بالزواجر التنزيلية ، وقيل : مسوق لتسليته صلى الله عليه وسلم ، وتصدير الجملة بالقسم لإظهار مزيد الاهتمام بمضمونها ، والمفعول محذوف لأن مقتضى المقام بيان حال المرسل إليهم لا حال المرسلين ؛ وتنوين { أُمَمٌ } للتكثير ، و { مِنْ } ابتدائية أو بمعنى في أو زائدة بناءً على جواز زيادتها في الإثبات وضعف أي تالله لقد أرسلنا رسلاً إلى أمم كثيرة كائنة من زمان أو في زمان قبل زمانك { فأخذناهم } أي فكذبوا فعاقبناهم { بالبأساء والضراء } أي البؤس والضر . وأخرج أبو الشيخ عن ابن جبير أنه قال : خوف السلطان وغلاء السعر . وقيل : البأساء القحط والجوع والضراء المرض ونقصان الأنفس والأموال وهما صيغتا تأنيث لا مذكر لهما على أفعل كأحمر حمراء كما هو القياس فإنه لم يقل أضر وأبأس صفة بل للتفضيل { لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ } أي لكي يتذللوا فيدعوا ويتوبوا من كفرهم .

( هذا ومن باب الإشارة ) :{ وَلَقَدْ أَرْسَلنَا إلى أُمَمٍ مّن قَبْلِكَ فأخذناهم بالبأساء والضراء لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ } [ الأنعام : 42 ] أي ليطيعوا ويبرزوا من الحجاب وينقادوا متضرعين عند تجلي صفة القهر