قوله تعالى { ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فأخذناهم بالبأساء والضراء لعلهم يتضرعون }
اعلم أنه تعالى بين في الآية الأولى أن الكفار عند نزول الشدائد يرجعون إلى الله تعالى ، ثم بين في هذه الآية أنهم لا يرجعون إلى الله عند كل ما كان من جنس الشدائد ، بل قد يبقون مصرين على الكفر منجمدين عليه غير راجعين إلى الله تعالى ، وذلك يدل على مذهبنا من أن الله تعالى إذا لم يهده لم يهتد ، سواء شاهد الآيات الهائلة ، أو لم يشاهدها ، وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى : في الآية محذوف والتقدير : ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك رسلا فخالفوهم فأخذناهم بالبأساء والضراء ، وحسن الحذف لكونه مفهوما من الكلام المذكور . وقال الحسن ( البأساء ) شدة الفقر من البؤس ( والضراء ) الأمراض والأوجاع .
ثم قال : { لعلهم يتضرعون } والمعنى : إنما أرسلنا الرسل إليهم وإنما سلطنا البأساء والضراء عليهم لأجل أن يتضرعوا . ومعنى التضرع التخشع وهو عبارة عن الانقياد وترك التمرد ، وأصله من الضراعة وهي الذلة ، يقال ضرع الرجل يضرع ضراعة فهو ضارع أي ذليل ضعيف ، والمعنى أنه تعالى أعلم نبيه أنه قد أرسل قبله إلى أقوام بلغوا في القسوة إلى أن أخذوا بالشدة في أنفسهم وأموالهم فلم يخضعوا ولم يتضرعوا ، والمقصود منه التسلية للنبي صلى الله عليه وسلم .
فإن قيل : أليس قوله { بل إياه تدعون } يدل على أنهم تضرعوا ؟ وهاهنا يقول : قست قلوبهم ولم يتضرعوا .
قلنا : أولئك أقوام ، وهؤلاء أقوام آخرون . أو نقول أولئك تضرعوا لطلب إزالة البلية ولم يتضرعوا على سبيل الإخلاص لله تعالى فلهذا الفرق حسن النفي والإثبات .
{ وَلَقَدْ أَرْسَلنَا إلى أُمَمٍ مّن قَبْلِكَ } كلام مستأنف سيق لبيان أن من المشركين من لا يدعو الله تعالى عند إتيان العذاب لتماديه في الغي والضلال ولا يتأثر بالزواجر التكوينية كما لا يتأثر بالزواجر التنزيلية ، وقيل : مسوق لتسليته صلى الله عليه وسلم ، وتصدير الجملة بالقسم لإظهار مزيد الاهتمام بمضمونها ، والمفعول محذوف لأن مقتضى المقام بيان حال المرسل إليهم لا حال المرسلين ؛ وتنوين { أُمَمٌ } للتكثير ، و { مِنْ } ابتدائية أو بمعنى في أو زائدة بناءً على جواز زيادتها في الإثبات وضعف أي تالله لقد أرسلنا رسلاً إلى أمم كثيرة كائنة من زمان أو في زمان قبل زمانك { فأخذناهم } أي فكذبوا فعاقبناهم { بالبأساء والضراء } أي البؤس والضر . وأخرج أبو الشيخ عن ابن جبير أنه قال : خوف السلطان وغلاء السعر . وقيل : البأساء القحط والجوع والضراء المرض ونقصان الأنفس والأموال وهما صيغتا تأنيث لا مذكر لهما على أفعل كأحمر حمراء كما هو القياس فإنه لم يقل أضر وأبأس صفة بل للتفضيل { لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ } أي لكي يتذللوا فيدعوا ويتوبوا من كفرهم .
( هذا ومن باب الإشارة ) :{ وَلَقَدْ أَرْسَلنَا إلى أُمَمٍ مّن قَبْلِكَ فأخذناهم بالبأساء والضراء لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ } [ الأنعام : 42 ] أي ليطيعوا ويبرزوا من الحجاب وينقادوا متضرعين عند تجلي صفة القهر
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.