قوله تعالى { وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ما فرطنا في الكتاب من شيء ثم إلى ربهم يحشرون }
المسألة الأولى : في تقرير وجه النظم ، فنقول فيه وجهان : الأول : أنه تعالى بين في الآية الأولى أنه لو كان إنزال سائر المعجزات مصلحة لهم لفعلها ولأظهرها ، إلا أنه لما لم يكن إظهارها مصلحة للمكلفين ، لا جرم ما أظهرها . وهذا الجواب إنما يتم إذا ثبت أنه تعالى يراعي مصالح المكلفين ويتفضل عليهم بذلك فبين أن الأمر كذلك ، وقرره بأن قال : { وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم } في وصول فضل الله وعنايته ورحمته وإحسانه إليهم ، وذلك كالأمر المشاهد المحسوس فإذا كانت آثار عنايته واصلة إلى جميع الحيوانات ؛ فلو كان في إظهار هذه المعجزات القاهرة مصلحة للمكلفين لفعلها ولأظهرها ولامتنع أن يبخل بها مع ما ظهر أنه لم يبخل على شيء من الحيوانات بمصالحها ومنافعها وذلك يدل على أنه تعالى إنما لم يظهر تلك المعجزات ، لأن إظهارها يخل بمصالح المكلفين . فهذا هو وجه النظم والمناسبة بين هذه الآية وبين ما قبلها والله أعلم .
الوجه الثاني في كيفية النظم : قال القاضي : إنه تعالى لما قدم ذكر الكفار وبين أنهم يرجعون إلى الله ويحشرون بين أيضا بعده بقوله { وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم } في أنهم يحشرون ، والمقصود : بيان أن الحشر والبعث كما هو حاصل في حق الناس فهو أيضا حاصل في حق البهائم .
المسألة الثانية : الحيوان إما أن يكون بحيث يدب أو يكون بحيث يطير فجميع ما خلق الله تعالى من الحيوانات ، فإنه لا يخلو عن هاتين الصفتين ، إما أن يدب ، وإما أن يطير . وفي الآية سؤالات :
السؤال الأول : من الحيوان ما لا يدخل في هذين القسمين مثل حيتان البحر ، وسائر ما يسبح في الماء ويعيش فيه .
والجواب : لا يبعد أن يوصف بأنها دابة من حيث إنها تدب في الماء أو هي كالطير ، لأنها تسبح في الماء ، كما أن الطير يسبح في الهواء ، إلا أن وصفها بالدبيب أقرب إلى اللغة من وصفها بالطيران .
السؤال الثاني : ما الفائدة في تقييد الدابة بكونها في الأرض ؟
والجواب من وجهين : الأول : أنه خص ما في الأرض بالذكر دون ما في السماء احتجاجا بالأظهر لأن ما في السماء وإن كان مخلوقا مثلنا فغير ظاهر ، والثاني : أن المقصود من ذكر هذا الكلام أن عناية الله تعالى لما كانت حاصلة في هذه الحيوانات فلو كان إظهار المعجزات القاهرة مصلحة لما منع الله من إظهارها . وهذا المقصود إنما يتم بذكر من كان أدون مرتبة من الإنسان لا بذكر من كان أعلى حالا منه ، فلهذا المعنى قيد الدابة بكونها في الأرض .
السؤال الثالث : ما الفائدة في قوله { يطير بجناحيه } ؟ مع أن كل طائر إنما يطير بجناحيه .
والجواب فيه من وجوه : الأول : أن هذا الوصف إنما ذكر للتأكيد كقوله نعجة أنثى وكما يقال : كلمته بفي ومشيت إليه برجلي . الثاني : أنه قد يقول الرجل لعبده طر في حاجتي والمراد الإسراع وعلى هذا التقدير : فقد يحصل الطيران لا بالجناح . قال الحماسي :
طاروا إليه زرافات ووحدانا *** . . .
فذكر الجناح ليتمحض هذا الكلام في الطير . والثالث : أنه تعالى قال في صفة الملائكة { جاعل الملائكة رسلا أولى أجنحة مثنى وثلاث ورباع } فذكر هاهنا قوله { ولا طائر يطير بجناحيه } ليخرج عنه الملائكة فإنا بينا أن المقصود من هذا الكلام إنما يتم بذكر من كان أدون حالا من الإنسان لا بذكر من كان أعلى حالا منه .
السؤال الرابع : كيف قال : { إلا أمم } مع إفراد الدابة والطائر ؟
والجواب : لما كان قوله { وما من دابة ولا طائر } دالا على معنى الاستغراق ومغنيا عن أن يقول : وما من دواب ولا طيور لا جرم حمل قوله { إلا أمم } على المعنى .
السؤال الخامس : قوله { إلا أمم أمثالكم } قال الفراء : يقال إن كل صنف من البهائم أمة وجاء في الحديث : «لولا أن الكلاب أمة من الأمم لأمرت بقتلها » فجعل الكلاب أمة .
إذا ثبت هذا فنقول : الآية دلت على أن هذه الدواب والطيور أمثالنا ، وليس فيها ما يدل على أن هذه المماثلة في أي المعاني حصلت ولا يمكن أن يقال : المراد حصول المماثلة من كل الوجوه وإلا لكان يجب كونها أمثالا لنا في الصورة والصفة والخلقة وذلك باطل فظهر أنه لا دلالة في الآية على أن تلك المماثلة حصلت في أي الأحوال والأمور فبينوا ذلك .
والجواب : اختلف الناس في تعيين الأمر الذي حكم الله تعالى فيه بالمماثلة بين البشر وبين الدواب والطيور وذكروا فيه أقوالا :
القول الأول : نقل الواحدي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : يريد ، يعرفونني ويوحدونني ويسبحونني ويحمدونني . وإلى هذا القول ذهب طائفة عظيمة من المفسرين وقالوا : إن هذه الحيوانات تعرف الله وتحمده وتوحده وتسبحه واحتجوا عليه بقوله تعالى : { وأن ممن شيء إلا يسبح بحمده } وبقوله في صفة الحيوانات { كل قد علم صلاته وتسبيحه } وبما أنه تعالى خاطب النمل وخاطب الهدهد ، وقد استقصينا في تقرير هذا القول وتحقيقه في هذه الآيات .
وعن أبي الدرداء أنه قال : أبهمت عقول البهائم عن كل شيء إلا عن أربعة أشياء : معرفة الإله ، وطلب الرزق ، ومعرفة الذكر والأنثى ، وتهيؤ كل واحد منهما لصاحبه .
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : «من قتل عصفورا عبثا جاء يوم القيامة يعج إلى الله يقول يا رب إن هذا قتلني عبثا لم ينتفع بي ولم يدعني آكل من خشاش الأرض » .
والقول الثاني : المراد إلا أمم أمثالكم في كونها أمما وجماعات وكونها مخلوقة بحيث يشبه بعضها بعضا ، ويأنس بعضها ببعض ، ويتوالد بعضها من بعض كالإنس ، إلا أن للسائل أن يقول حمل الآية على هذا الوجه لا يفيد فائدة معتبرة لأن كون الحيوانات بهذه الصفة أمر معلوم لكل أحد فلا فائدة في الإخبار عنها .
القول الثالث : المراد أنها أمثالنا في أن دبرها الله تعالى وخلقها وتكفل برزقها وهذا يقرب من القول الثاني في أنه يجري مجرى الاخبار عما علم حصوله بالضرورة .
القول الرابع : المراد أنه تعالى كما أحصى في الكتاب كل ما يتعلق بأحوال البشر ، من العمر والرزق والأجل والسعادة والشقاوة فكذلك أحصى في الكتاب جميع هذه الأحوال في كل الحيوانات . قالوا : والدليل عليه قوله تعالى : { ما فرطنا في الكتاب من شيء } وليس لذكر هذا الكلام عقيب قوله { إلا أمم أمثالكم } فائدة إلا ما ذكرناه .
القول الخامس : أراد تعالى أنها أمثالنا في أنها تحشر يوم القيامة يوصل إليها حقوقها ، كما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : «يقص للجماء من القرناء » .
القول السادس : ما اخترناه في نظم الآية ، وهو أن الكفار طلبوا من النبي صلى الله عليه وسلم الإتيان بالمعجزات القاهرة الظاهرة ، فبين تعالى أن عنايته وصلت إلى جميع الحيوانات كما وصلت إلى الإنسان . ومن بلغت رحمته وفضله إلى حيث لا يبخل به على البهائم كان بأن لا يبخل به على الإنسان أولى ، فدل منع الله من إظهار تلك المعجزات القاهرة على أنه لا مصلحة لأولئك السائلين في إظهارها ، وأن إظهارها على وفق سؤالهم واقتراحهم يوجب عود الضرر العظيم إليهم .
القول السابع : ما رواه أبو سليمان الخطابي عن سفيان بن عيينة ، أنه لما قرأ هذه الآية قال : ما في الأرض آدمي إلا وفيه شبه من بعض البهائم ، فمنهم من يقدم إقدام الأسد ، ومنهم من يعدو عدو الذئب ، ومنهم من ينبح نباح الكلب ، ومنهم من يتطوس كفعل الطاوس ، ومنهم من يشبه الخنزير فإنه لو ألقي إليه الطعام الطيب تركه وإذا قام الرجل عن رجيعه ولغ فيه . فكذلك نجد من الآدميين من لو سمع خمسين حكمة لم يحفظ واحدة منها ، فإن أخطأت مرة واحدة حفظها ، ولم يجلس مجلسا إلا رواه عنه .
ثم قال : فاعلم يا أخي إنك إنما تعاشر البهائم والسباع ، فبالغ في الحذار والاحتراز ، فهذا جملة ما قيل في هذا الموضع .
المسألة الثالثة : ذهب القائلون بالتناسخ إلى أن الأرواح البشرية إن كانت سعيدة مطيعة لله تعالى موصوفة بالمعارف الحقة وبالأخلاق الطاهرة ، فإنها بعد موتها تنقل إلى أبدان الملوك ، وربما قالوا إنها تنقل إلى مخالطة عالم الملائكة ، وأما إن كانت شقية جاهلة عاصية فإنها تنقل إلى أبدان الحيوانات ، وكلما كانت تلك الأرواح أكثر شقاوة واستحقاقا للعذاب نقلت إلى بدن حيوان أخس وأكثر شقاء وتعبا ، واحتجوا على صحة قولهم بهذه الآية فقالوا : صريح هذه الآية يدل على أنه لا دابة ولا طائر إلا وهي أمثالنا ، ولفظ المماثلة يقتضي حصول المساواة في جميع الصفات الذاتية أما الصفات العرضية المفارقة ، فالمساواة فيها غير معتبرة في حصول المماثلة . ثم إن القائلين بهذا القول زادوا عليه ، وقالوا : قد ثبت بهذا أن أرواح جميع الحيوانات عارفة بربها وعارفة بما يحصل لها من السعادة والشقاوة ، وأن الله تعالى أرسل إلى كل جنس منها رسولا من جنسها ، واحتجوا عليه بأنه ثبت بهذه الآية أن الدواب والطيور أمم . ثم إنه تعالى قال : { وإن من أمة إلا خلا فيها نذير } وذلك تصريح بأن لكل طائفة من هذه الحيوانات رسولا أرسله الله إليها . ثم أكدوا ذلك بقصة الهدهد ، وقصة النمل ، وسائر القصص المذكورة في القرآن .
واعلم أن القول بالتناسخ قد أبطلناه بالدلائل الجيدة في علم الأصول ، وأما هذه الآية فقد ذكرنا ما يكفي في صدق حصول المماثلة في بعض الأمور المذكورة ، فلا حاجة إلى إثبات ما ذكره أهل التناسخ . والله أعلم .
ثم قال تعالى : { ما فرطنا في الكتاب من شيء } وفي المراد بالكتاب قولان :
القول الأول : المراد منه الكتاب المحفوظ في العرش وعالم السماوات المشتمل على جميع أحوال المخلوقات على التفصيل التام ، كما قال عليه السلام : «جف القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة » .
والقول الثاني : أن المراد منه القرآن ، وهذا أظهر لأن الألف واللام إذا دخلا على الاسم المفرد انصرف إلى المعهود السابق ، والمعهود السابق من الكتاب عند المسلمين هو القرآن ، فوجب أن يكون المراد من الكتاب في هذه الآية القرآن .
إذا ثبت هذا فلقائل أن يقول : كيف قال تعالى : { ما فرطنا في الكتاب من شيء } مع أنه ليس فيه تفاصيل علم الطب وتفاصيل علم الحساب ، ولا تفاصيل كثير من المباحث والعلوم ، وليس فيه أيضا تفاصيل مذاهب الناس ودلائلهم في علم الأصول والفروع ؟
والجواب : أن قوله { ما فرطنا في الكتاب من شيء } يجب أن يكون مخصوصا ببيان الأشياء التي يجب معرفتها ، والإحاطة بها وبيانه من وجهين : الأول : أن لفظ التفريط لا يستعمل نفيا وإثباتا إلا فيما يجب أن يبين لأن أحدا لا ينسب إلى التفريط والتقصير في أن لا يفعل ما لا حاجة إليه ، وإنما يذكر هذا اللفظ فيما إذا قصر فيما يحتاج إليه . الثاني : أن جميع آيات القرآن أو الكثير منها دالة بالمطابقة أو التضمن أو الالتزام على أن المقصود من إنزال هذا الكتاب بيان الدين ومعرفة الله ومعرفة أحكام الله ، وإذا كان هذا التقييد معلوما من كل القرآن كان المطلق هاهنا محمولا على ذلك المقيد . أما قوله إن هذا الكتاب غير مشتمل على جميع علوم الأصول والفروع .
فنقول : أما علم الأصول فإنه بتمامه حاصل فيه لأن الدلائل الأصلية مذكورة فيه على أبلغ الوجوه : فأما روايات المذاهب وتفاصيل الأقاويل ، فلا حاجة إليها ، وأما تفاصيل علم الفروع فنقول : للعلماء هاهنا قولان : الأول : أنهم قالوا أن القرآن دل على أن الإجماع وخبر الواحد والقياس حجة في الشريعة فكل ما دل عليه أحد هذه الأصول الثلاثة ، كان ذلك في الحقيقة موجودا في القرآن ، وذكر الواحدي رحمه الله لهذا المعنى أمثلة ثلاثة :
المثال الأول : روي أن ابن مسعود كان يقول : مالي لا ألعن من لعنه الله في كتابه يعني الواشمة ، والمستوشمة ، والواصلة ، والمستوصلة ، وروي أن امرأة قرأت جميع القرآن ، ثم أتته فقالت : يا ابن أم عبد ، تلوت البارحة ما بين الدفتين ، فلم أجد فيه لعن الواشمة والمستوشمة ، فقال : لو تلوتيه لوجدتيه ، قال الله تعالى : { وما ءاتاكم الرسول فخذوه } وإن مما أتانا به رسول الله أنه قال : «لعن الله الواشمة والمستوشمة » وأقول : يمكن وجدان هذا المعنى في كتاب الله بطريق أوضح من ذلك لأنه تعالى قال في سورة النساء : { وإن يدعون إلا شيطانا مريدا لعنه الله } فحكم عليه باللعن ، ثم عدد بعده قبائح أفعاله وذكر من جملتها قوله { ولأمرنهم فليغيرن خلق الله } وظاهر هذه الآية يقتضي أن تغيير الخلق يوجب اللعن .
المثال الثاني : ذكر أن الشافعي رحمه الله كان جالسا في المسجد الحرام فقال : لا تسألوني عن شيء إلا أجبتكم فيه من كتاب الله تعالى فقال رجل : ما تقول في المحرم إذا قتل الزنبور ؟ فقال : لا شيء عليه فقال : أين هذا في كتاب الله ؟ فقال : قال الله تعالى : { وما ءاتاكم الرسول فخذوه } ثم ذكر إسنادا إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي » ثم ذكر إسنادا إلى عمر رضي الله عنه أنه قال : للمحرم قتل الزنبور . قال الواحدي : فأجابه من كتاب الله مستنبطا بثلاث درجات ، وأقول : هاهنا طريق آخر أقرب منه ، وهو أن الأصل في أموال المسلمين العصمة . قال تعالى : { لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت } وقال : { ولا يسئلكم أموالكم } وقال : { لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم } فنهى عن أكل أموال الناس إلا بطريق التجارة فعند عدم التجارة وجب أن يبقى على أصل الحرمة ، وهذه العمومات تقتضي أن لا يجب على المحرم الذي قتل الزنبور شيء ، وذلك لأن التمسك بهذه العمومات يوجب الحكم بمرتبة واحدة .
وأما الطريق الذي ذكره الشافعي : فهو تمسك بالعموم على أربع درجات : أولها : التمسك بعموم قوله
{ وما ءاتاكم الرسول فخذوه } وأحد الأمور الداخلة تحت هذا أمر النبي عليه السلام بمتابعة الخلفاء الراشدين ، وثانيها : التمسك بعموم قوله عليه الصلاة والسلام : «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي » وثالثها : بيان أن عمر رضي الله عنه كان من الخلفاء الراشدين ، ورابعها : الرواية عن عمر أنه لم يوجب في هذه المسألة شيئا ، فثبت أن الطريق الذي ذكرناه أقرب .
المثال الثالث : قال الواحدي : روي في حديث العسيف الزاني أن أباه قال للنبي صلى الله عليه وسلم : اقض بيننا بكتاب الله فقال عليه السلام : «والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله » ثم قضى بالجلد والتغريب على العسيف ، وبالرجم على المرأة إن اعترفت . قال الواحدي : وليس للجلد والتغريب ذكر في نص الكتاب ، وهذا يدل على أن كل ما حكم به النبي صلى الله عليه وسلم فهو عين كتاب الله .
وأقول : هذا المثال حق ، لأنه تعالى قال : { لتبين للناس ما نزل إليهم } وكل ما بينه الرسول عليه السلام كان داخلا تحت هذه الآية ، فثبت بهذه الأمثلة أن القرآن لما دل على أن الإجماع حجة ، وأن خبر الواحد حجة ، وأن القياس حجة ، فكل حكم ثبت بطريق من هذه الطرق الثلاثة ، كان في الحقيقة ثابتا بالقرآن ، فعند هذا يصح قوله تعالى : { ما فرطنا في الكتاب من شيء } هذا تقرير هذا القول ، وهو الذي ذهب إلى نصرته جمهور الفقهاء . ولقائل أن يقول : حاصل هذه الوجه أن القرآن لما دل على خبر الواحد والقياس حجة ، فكل حكم ثبت بأحد هذين الأصلين كان في الحقيقة قد ثبت بالقرآن إلا أنا نقول : حمل قوله { ما فرطنا في الكتاب من شيء } على هذا الوجه لا يجوز لأن قوله { ما فرطنا في الكتاب من شيء } ذكر في معرض تعظيم هذا الكتاب والمبالغة في مدحه والثناء عليه ، ولو حملنا هذه الآية على هذا المعنى لم يحصل منه ما يوجب التعظيم ، وذلك لأنا لو فرضنا أن الله تعالى قال : { اعملوا } بالإجماع وخبر الواحد والقياس ، كان المعنى الذي ذكروه حاصلا من هذا اللفظ والمعنى الذي يمكن تحصيله من هذا اللفظ القليل لا يمكن جعله واجبا لمدح القرآن والثناء عليه لسبب اشتمال القرآن عليه ، لأن هذا إنما يوجب المدح العظيم والثناء التام لو لم يمكن تحصيله بطريق آخر أشد اختصارا منه ، فأما لما بينا أن هذا القسم المقصود يمكن حمله وتحصيله باللفظ المختصر الذي ذكرناه علمنا أنه لا يمكن ذكره في تعظيم القرآن ، فثبت أن هذه الآية مذكورة في معرض تعظيم القرآن ، وثبت أن المعنى الذي ذكروه لا يفيد تعظيم القرآن ، فوجب أن يقال ، إنه لا يجوز حمل هذه الآية على هذا المعنى ، فهذا أقصى ما يمكن أن يقال في تقرير هذا القول .
والقول الثاني : في تفسير هذه الآية قول من يقول : القرآن واف ببيان جميع الأحكام وتقريره أن الأصل براءة الذمة في حق جميع التكليف ، وشغل الذمة لابد فيه من دليل منفصل والتنصيص على أقسام ما لم يرد فيه التكليف ممتنع ، لأن الأقسام التي لم يرد التكليف فيها غير متناهية ، والتنصيص على ما لا نهاية له محال بل التنصيص إنما يمكن على المتناهي مثلا لله تعالى ألف تكليف على العباد وذكره في القرآن وأمر محمدا عليه السلام بتبليغ ذلك الألف إلى العباد . ثم قال بعده { ما فرطنا في الكتاب من شيء } فكان معناه أنه ليس لله على الخلق بعد ذلك الألف تكليف آخر ، ثم أكد هذه الآية بقوله { اليوم أكملت لكم دينكم } وبقوله : { ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين } فهذا تقرير مذهب هؤلاء ، والاستقصاء فيه إنما يليق بأصول الفقه ، والله أعلم .
ولنرجع الآن إلى التفسير ، فنقول : قوله { من شيء } قال الواحدي { من } زائدة كقوله : ما جاء لي من أحد . وتقريره ما تركنا في الكتاب شيئا لم نبينه . وأقول : كلمة { من } للتبعيض فكان المعنى ما فرطنا في الكتاب بعض شيء يحتاج المكلف إليه ، وهذا هو نهاية المبالغة في أنه تعالى ما ترك شيئا مما يحتاج المكلف إلى معرفته في هذا الكتاب .
أما قوله { ثم إلى ربهم يحشرون } فالمعنى أنه تعالى يحشر الدواب والطيور يوم القيامة . ويتأكد هذا بقوله تعالى : { وإذا الوحوش حشرت } وبما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : «يقتص للجماء من القرناء » وللعقلاء فيه قولان :
القول الأول : أنه تعالى يحشر البهائم والطيور لإيصال الأعواض إليها وهو قول المعتزلة . وذلك لأن إيصال الآلام إليها من سبق جناية لا يحسن إلا للعوض ، ولما كان إيصال العوض إليها واجبا ، فالله تعالى يحشرها ليوصل تلك الأعواض إليها .
والقول الثاني : قول أصحابنا أن الإيجاب على الله محال ، بل الله تعالى يحشرها بمجرد الإرادة والمشيئة ومقتضى الإلهية . واحتجوا على أن القول بوجوب العوض على الله تعالى محال باطل بأمور :
الحجة الأولى : أن الوجوب عبارة عن كونه مستلزما للذم عند الترك وكونه تعالى مستلزما للذم محال ، لأنه تعالى كامل لذاته والكامل لذاته لا يعقل كونه مستلزما للذم بسبب أمر منفصل ، لأن ما بالذات لا يبطل عند عروض أمر من الخارج .
والحجة الثانية : أنه تعالى مالك لكل المحدثات ، والمالك يحسن تصرفه في ملك نفسه من غير حاجة إلى العوض .
والحجة الثالثة : أنه لو حسن إيصال الضرر إلى الغير لأجل العوض ، لوجب أن يحسن منا إيصال المضار إلى الغير لأجل التزام العوض من غير رضاه وذلك باطل ، فثبت أن القول بالعوض باطل . والله أعلم .
إذا عرفت هذا : فلنذكر بعض التفاريع التي ذكرها القاضي في هذا الكتاب .
الفرع الأول : قال القاضي : كل حيوان استحق العوض على الله تعالى بما لحقه من الآلام ، وكان ذلك العوض لم يصل إليه في الدنيا ، فإنه يجب على الله حشره عقلا في الآخرة ليوفر عليه ذلك العوض والذي لا يكون كذلك فإنه لا يجب حشره عقلا ، إلا أنه تعالى أخبر أنه يحشر الكل ، فمن حيث السمع يقطع بذلك . وإنما قلنا أن في الحيوانات من لا يستحق العوض البتة ، لأنها ربما بقيت مدة حياتها مصونة عن الآلام ثم إنه تعالى يميتها من غير إيلام أصلا . فإنه لم يثبت بالدليل أن الموت لابد وأن يحصل معه شيء من الإيلام ، وعلى هذا التقدير فإنه لا يستحق العوض البتة .
الفرع الثاني : كل حيوان أذن الله تعالى في ذبحه فالعوض على الله . وهي أقسام : منها ما أذن في ذبحها لأجل الأكل ومنها ما أذن في ذبحها لأجل كونها مؤذية ، مثل السباع العادية والحشرات المؤذية ، ومنها آلمها بالأمراض ، ومنها ما أذن الله في حمل الأحمال الثقيلة عليها واستعمالها في الأفعال الشاقة وأما إذا ظلمها الناس فذلك العوض على ذلك الظالم وإذا ظلم بعضها بعضا فذلك العوض على ذلك الظالم .
فإن قيل : إذا ذبح ما لا يؤكل لحمه على وجه التذكية فعلى من العوض ؟
أجاب بأن ذلك ظلم والعوض على الذابح ، ولذلك نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذبح الحيوان إلا لمأكلة .
الفرع الثالث : المراد من العوض منافع عظيمة بلغت في الجلالة والرفعة إلى حيث لو كانت هذه البهيمة عاقلة وعلمت أنه لا سبيل لها إلى تحصيل تلك المنفعة إلا بواسطة تحمل ذلك الذبح فإنها كانت ترضى به ، فهذا هو العوض الذي لأجله يحسن الإيلام والإضرار .
الفرع الرابع : مذهب القاضي وأكثر معتزلة البصرة أن العوض منقطع . قال القاضي : وهو قول أكثر المفسرين ، لأنهم قالوا إنه تعالى بعد توفير العوض عليها يجعلها ترابا ، وعند هذا يقول الكافر : يا ليتني كنت ترابا . قال أبو القاسم البخلي : يجب أن يكون العوض دائما واحتج القاضي على قوله بأنه يحسن من الواحد منا أن يلتزم عملا شاقا والأجرة منقطعة ، فعلمنا أن إيصال الألم إلى الغير غير مشروط بدوام الأجرة . واحتج البلخي على قوله ، بأن قال : إنه لا يمكن قطع ذلك العوض إلا بإماتة تلك البهيمة ، وإماتتها توجب الألم وذلك الألم يوجب عوضا آخر ، وهكذا إلى ما لا آخر له .
والجواب عنه : أنه لم يثبت بالدليل أن الإماتة لا يمكن تحصيلها إلا مع الإيلام . والله أعلم .
الفرع الخامس : أن البهيمة إذا استحقت على بهيمة أخرى عوضا ، فإن كانت البهيمة الظالمة قد استحقت عوضا على الله تعالى فإنه تعالى ينقل ذلك العوض إلى المظلوم . وإن لم يكن الأمر كذلك فالله تعالى يكمل ذلك العوض ، فهذا مختصر من أحكام الأعواض على قول المعتزلة . والله أعلم .
وقوله تعالى : { وَمَا مِن دَابَّةٍ فِى الارض } كلام مستأنف مسوق كما قال الطبرسي وغيره لبيان كمال قدرته عز وجل وحسن تدبيره وحكمته وشمول علمه سبحانه وتعالى فهو كالدليل على أنه تعالى قادر على الإنزال وإنما لا ينزل محافظة على الحكم الباهرة ، وقيل : إنه دليل على أنه سبحانه وتعالى قادر على البعث والحشر ، والأول أنسب ، وزيدت { مِنْ } تنصيصاً على الاستغراق . والدابة ما يدب من الحيوان ، وأصله من دب يَدِب ( دبَّاً و ) دبيباً إذا مشى مشياً فيه تقارب خطو ، والجار والمجرور متعلق بمحذوف أو مجرور أو مرفوع وقع صفة لدابة ، ووصفت بذلك لزيادة التعميم كأنه قيل : وما من فرد من أفراد الدواب يستقر في قطر من أقطار الأرض وجهها أو جوفها ، وكذا الوصف في قوله سبحانه : { وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ } لزيادة التعميم أيضاً أي ولا فرد من أفراد الطير يطير في ناحية من نواحي الجو بجناحيه ، وقيل : إنه لقطع مجاز السرعة فقد استعمل الطيران في ذلك كقوله
: قوم إذ الشر أبدى ناجذيه لهم *** طاروا إليه زرافات وحدانا
وكذا استعمل الطائر في العمل والنصيب مجازاً كما في قوله تعالى : { وَكُلَّ إنسان ألزمناه طَئِرَهُ فِى عُنُقِهِ } [ الإسراء : 13 ] . واحتمال التجوز مع ذلك بجعله ترشيحاً للمجاز بعيد لا يلتفت إليه بدون قرينة ، واختار بعض المتأخرين أن وجه الوصف تصوير تلك الهيئة الغريبة الدالة على كمال القوة والقدرة . وأورد على الوجهين السابقين أنه لو قيل : ولا طائر في السماء لكان أخصر وفي إفادة ذينك الأمرين أظهر مع ما فيه من رعاية المناسبة بين القرينتين يذكر جهة العلو في إحداهما وجهة السفل في الأخرى ، ورد كما قال الشهاب بأنه لو قيل : في السماء يطير بجناحيه لم يشمل أكثر الطيور لعدم استقرارها في السماء ، ثم إن قصد التصوير لا ينافي قطع المجاز إذ لا مانع من إرادتهما جميعاً كما لا يخفى ، ثم لما كان المقصود من ذكر هذين الأمرين الدلالة على كمال قدرته جل وعلا ببيان ما يعرفونه ويشاهدونه من هذين الجنسين وشمول قدرته وعلمه سبحانه لهما كان غيرهما غير مقصود بالبيان ، فالاعتراض بأن أمثال حيتان البحر خارجة عنهما ، والجواب بأنها داخلة في القسم الأول لأن الأرض فيه بمعنى جهة السفل مما لا يلتفت إليه ، وقرأ ابن أبي عبلة { وَلاَ طَائِرٍ } بالرفع عطف على محل الجار والمجرور كأنه قيل : وما دابة ولا طائر .
{ إِلاَّ أُمَمٌ } أي طوائف متخالفة { أمثالكم } في أن أحوالها محفوظة وأمورها ( معنية ) ومصالحها مرعية جارية على سنن السداد منتظمة في سلك التقديرات الإلهية والتدبيرات الربانية ، وجمع الأمم باعتبار الحمل على معنى الجمعية المستفاد من العموم كما اختاره غير واحد ، وهو يقتضي جواز أن يقال : لا رجل قائمون ، والقياس كما قيل لا يأباه إلا أنه لم يرد إلا مع الفصل .
وصرح السيد السند بأن النكرة ههنا محمولة على المجموع من حيث هو مجموع ، وجعل مراده أن النكرة المذكورة من حيث الإخبار عنها محمولة على المجموع لا أنه مراد منها ، فلا يرد أن الحكم بقوله سبحانه وتعالى : { إِلاَّ أُمَمٌ } يأبى أن يكون التنكير فيما سبق على ما أشير إليه للفردية لأن الفرد ليس بجماعة ، وكذا يأبى أن يكون للنوعية أيضاً لأن الفرد ليس بجماعات وهو ظاهر ، وأما ما قيل : إن النوع يشتمل على أصناف وكل صنف أمة أو الأمة كل جماعة في زمان فيدفعه توصيف أمم بأمثالكم إذ الخطاب بكم لأفراد نوع الإنسان فالمناسب تشبيه النوع بالنوع في كونهما محفوظي الأحوال لا تشبيه الصنف بالنوع أو تشبيه جماعة في وقت بالنوع ، نعم قال السكاكي في «المفتاح » : إن ذكر { فِى الارض } مع دابة و { يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ } مع طائر لبيان أن القصد من لفظ دابة ولفظ طائر إنما هو إلى الجنسين وإلى تقريرهما ، وعليه لا إشكال في صحة الحمل لاشتمال كل من الجنسين على أنواع كثيرة كل منها أمة كالأنسان فكأنه قيل : ما من جنس من هذين الجنسين إلا أمم الخ ، وهذا كما يقال : ما من رجل من هذين الرجلين إلا كذا ، ومراده أن لفظ دابة وطائر حامل لمعنى الجنس والوحدة فلبيان أن القصد من كل منهما إلى الجنس من حيث هو دون الوحدة والكثرة وصف بصفة لازمة للجنس من حيث هو أي بلا شرط شيء منهما والاستغراق المستفاد من كلمة ( من ) بالنظر إلى الجنسين ، وبهذا يندفع القول بوجوب تأويل كلام السكاكي وإرجاعه إلى ما ذكره الزمخشري في هذا المقام ، وعليه لا يتصور كون الوصف مفيداً لزيادة التعميم والإحاطة لأن الجنس من حيث هو أي لا بشرط شيء مفهوم واحد كما لا يخفى . واعترض أيضاً القول بالعموم بأنه كيف يصح مع وجوب خروج المشبه به عنه . وأجيب بأن القصد أولاً : إلى العام والمشبه به في حكم المستثنى بقرينة التشبيه كأنه قيل : ما من واحد من أفراد هذين الجنسين بعمومهما سواكم إلا أمم أمثالكم ، ولك أن تدعي دخول كل فرد من أفراد المخاطبين بالتزام أن له اعتبارين اعتبار أنه مشبه واعتبار أنه مشبه به فتأمل جميع ذلك .
{ مَّا فَرَّطْنَا فِى الكتاب مِن شَىْء } التفريط التقصير ، وأصله أن يتعدى بفي وقد ضمن هنا معنى أغفلنا وتركنا ، فمن شيء في موضع المفعول به ومن زائدة لاستغراق ، ويبعد جعلها تبعيضية أي ما فرطنا في الكتاب بعض شيء وإن جوزه بعضهم ، والمراد من الكتاب القرآن واختاره البلخي وجماعة فإنه ذكر فيه جميع ما يحتاج إليه من أمر الدين والدنيا بل وغير ذلك إما مفصلاً وإما مجملاً ، فعن الشافعي عليه الرحمة ليست تنزل بأحد في الدين نازلة إلا في كتاب الله تعالى الهدي فيها .
وروى البخاري عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أنه قال : «لعن الله تعالى الواشمات والمتوشمات والمتنمصات والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله تعالى فقالت له امرأة في ذلك فقال : ما لي لا ألعن من لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في كتاب الله تعالى فقالت له : قرأت ما بين اللوحين فما وجدت فيه ما تقول قال : لئن كنت قرأتيه لقد وجدتيه أما قرأت { وَمَا ءاتاكم الرسول فَخُذُوهُ وَمَا نهاكم عَنْهُ فانتهوا } [ الحشر : 7 ] قالت : بلى قال : فإنه عليه الصلاة والسلام قد نهى عنه » وقال الشافعي رحمه الله تعالى مرة بمكة : سلوني عما شئتم أخبركم عنه من كتاب الله تعالى فقيل له : ما تقول في المحرم يقتل الزنبور ؟ فأجاب بأنه يقتله واستدل عليه بنحو استدلال ابن مسعود رضي الله تعالى عنه .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عنه أنه قال : أنزل في هذا القرآن كل علم وبين لنا فيه كل شيء ولكن علمنا يقصر عما بين لنا في القرآن . وأخرج أبو الشيخ في كتاب «العظمة » عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن الله سبحانه وتعالى لو أغفل شيئاً لأغفل الذرة والخردلة والبعوضة " وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : لو ضاع لي عقال بعير لوجدته في كتاب الله تعالى ، وقال المرسي : جمع القرآن علوم الأولين والآخرين بحيث لم يحط بها علماً حقيقة إلا المتكلم به ثم رسول الله صلى الله عليه وسلم خلا ما استأثر الله تعالى به ، وقد سمعت من بعضهم والعهدة عليه أن الشيخ الأكبر محيي الدين بن العربي قدس الله تعالى سره وقع يوماً عن حماره فرضت رجله فجاؤوا ليحملوه فقال : امهلوني فأمهلوه يسيراً ثم أذن لهم فحملوه فقيل له في ذلك فقال : راجعت كتاب الله تعالى فوجدت خبر هذه الحادثة قد ذكر في الفاتحة ، وهذا أمر لا تصله عقولنا . ومثله استخراج بعضهم من الفاتحة أيضاً أسماء سلاطين آل عثمان وأحوالهم ومدة سلطنتهم إلى ما شاء الله تعالى من الزمان ، ولا بدع فهي أم الكتاب وتلد كل أمر عجيب ، وعلى هذا لا حاجة إلى القول بتخصيص الشيء بما يحتاج إليه من دلائل التوحيد والتكاليف ، وقال أبو البقاء : إن شيئاً هنا واقع موقع المصدر أي تفريطاً ، ولا يجوز أن يكون مفعولاً به لأن { فَرَّطْنَا } لا تتعدى بنفسها بل بحرف الجر وقد عديت بفي إلى الكتاب فلا تتعدى بحرف آخر وتبعه في ذلك غير واحد ، وجعلوا ما يفهم من «القاموس » من تعدي هذا الفعل بنفسه حيث قال : «فَرَّط الشيء وفَرَّط فيه تفريطاً ضيَّعه وقدم العجز فيه وقَصَّر » مما تفرد به في مقابلة من هو أطول باعاً منه مع أنه يحتمل أن تعديته المذكورة فيه ليست وضيعة بل مجازية أو بطريق التضمين الذي أشير إليه سابقاً ، وعلى هذا لا يبقى كما قال أبو البقاء في الآية حجة لمن ظن أن الكتاب يحتوي على ذكر كل شيء ، والكلام حينئذٍ نظير قوله تعالى :
{ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً } [ آل عمران : 120 ] أي ضيراً . وأورد عليه أنه ليس كما ذكر لأنه إذا تسلط النفي على المصدر كان منفياً على جهة العموم ويلزمه نفي أنواع المصدر وهو يستلزم نفي جميع أفراده وليس بشيء لأنه يريد أن المعنى حينئذٍ أن جميع أنواع التفريط منفية عن القرآن وهو مما لا شبهة فيه ولا يلزمه أن يذكر فيه كل شيء كما لزم على الوجه الآخر ، وأياً ما كان فالجملة إعتراضية مقررة لمضمون ما قبلها فإن من جملة الأشياء أنه تعالى مراع لمصالح جميع مخلوقاته على ما ينبغي ، وعن الحسن وقتادة أن المراد بالكتاب الكتاب الذي عند الله تعالى وهو مشتمل على ما كان ويكون وهو اللوح المحفوظ ، والمراد بالاعتراض حينئذٍ الإشارة إلى أن أحوال الأمم مستقصاة هناك غير مقصورة على هذا القدر المجمل ، وعن أبي مسلم أن المراد منه الأجل أي ما من شيء إلا وقد جعلنا له أجلاً هو بالغه ولا يخفى بعده . وقرأ علقمة { مَّا فَرَّطْنَا } بالتخفيف وهو والمشدد بمعنى . وقال أبو العباس : معنى فرطنا المخفف أخرنا كما قالوا فرط الله تعالى عنك المرض أي أزاله .
{ ثُمَّ إلى رَبّهِمْ يُحْشَرُونَ } الضمير للأمم المذكورة في ( الكريم ) ، وصيغة جمع العقلاء لإجرائها مجراهم والتعبير عنها بالأمم ، وقيل : هو للأمم مطلقاً وتكون صيغة الجمع للتغليب أي إلى مالك أمورهم لا إلى غيره يحشرون يوم القيامة فيجازيهم وينصف بعضهم من بعض حتى أنه سبحانه وتعالى يبلغ من عدله أن يأخذ للجماء من القرناء كما جاء في حديث صحيح رواه الشيخان . وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن حشر الحيوانات موتها ، ومراده رضي الله تعالى عنه على ما قيل إن قوله سبحانه وتعالى : { إلى رَبّهِمْ يُحْشَرُونَ } مجموعه مستعار على سبيل التمثيل للموت كما ورد في الحديث " من مات فقد قامت قيامته " فلا يرد عليه أن الحشر بعث من مكان إلى آخر ، وتعديته بإلى تنصيص على أنه لم يرد به الموت مع أن في الموت أيضاً نقلاً من الدنيا إلى الآخرة ، نعم ما ذكره الجماعة أوفق بمقام تهويل الخطب وتفظيع الحال ، هذا وفي «رسالة المعاد » لأبي علي : قال المعترفون بالشريعة من أهل التناسخ : إن هذه الآية دليل عليه لأنه سبحانه قال : { وَمَا مِن دَابَّةٍ } الخ ، وفيه الحكم بأن الحيوانات الغير الناطقة أمثالنا وليسوا أمثالنا بالفعل فيتعين كونهم أمثالنا بالقوة لضرورة صدق هذا الحكم وعدم الواسطة بين الفعل والقوة ، وحينئذٍ لا بد من القول بحلول النفس الإنسانية في شيء من تلك الحيوانات وهو التناسخ المطلوب .
/ ولا يخفى أنه دليل كاسد على مذهب فاسد ، ومن الناس من جعلها دليلاً على أن للحيوانات بأسرها نفوساً ناطقة كما لأفراد الإنسان ، وإليه ذهب الصوفية وبعض الحكماء الإسلاميين . وأورد الشعراني في «الجواهر والدرر » لذلك أدلة غير ما ذكر ، منها أنه صلى الله عليه وسلم لما هاجر وتعرض كل من الأنصار لزمام ناقته قال عليه الصلاة والسلام : " دعوها فإنها مأمورة " ووجه الاستدلال بذلك أنه صلى الله عليه وسلم أخبر أن الناقة مأمورة ولا يعقل الأمر إلا من له نفس ناطقة ، وإذا ثبت أن للناقة نفساً كذلك ثبت للغير إذ لا قائل بالفرق ، ومنها ما يشاهد في النحل وصنعتها أقراص الشمع والعناكب واحتيالها لصيد الذباب والنمل وادخاره لقوته على وجه لا يفسد معه ما ادخره . وأورد بعضهم دليلاً لذلك أيضاً النملة التي كلمت سليمان عليه الصلاة والسلام بما قص الله تعالى لنا عنها مما لا يهتدي إلى ما فيه إلا العالمون ؛ وخوف الشاة من ذئب لم تشاهد فعله قبل فإن ذلك لا يكون إلا عن استدلال وهو شأن ذوي النفوس الناطقة ، وعدم افتراس الأسد المعلم مثلاً صاحبه فإن ذلك دليل على اعتقاده النفع ومعرفة الحسن وهو من شأن ذوي النفوس . وأغرب من هذا دعوى الصوفية . ونقله الشعراني عن شيخه عليّ الخواص قدس الله تعالى سره أن الحيوانات مخاطبة مكلفة من عند الله تعالى من حيث لا يشعر المحجوبون ثم قال : ويؤيده قوله تعالى : { وَإِن مّنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلاَ فِيهَا نَذِيرٌ } [ فاطر : 24 ] حيث نكر سبحانه وتعالى الأمة والنذير وهم من جملة الأمم .
ونقل عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه كان يقول : جميع ما في الأمم فينا حتى إن فيهم ابن عباس مثلي . وذكر في «الأجوبة المرضية » أن فيهم أنبياء . وفي «الجواهر » أنه يجوز أن يكون النذير من أنفسهم وأن يكون خارجاً عنهم من جنسهم . وحكى شيخه عن بعضهم أنه قال : إن تشبيه الله تعالى من ضل من عباده بالأنعام في قوله سبحانه وتعالى : { إِنْ هُمْ إِلاَّ كالانعام } [ الفرقان : 44 ] ليس لنقص فيها وإنما هو لبيان كمال مرتبتها في العلم بالله تعالى حتى حارت فيه فالتشبيه في الحقيقة واقع في الحيرة لا في المحار فيه فلا أشد حيرة من العلماء بالله تعالى فاعلى ما يصل إليه العلماء بربهم سبحانه وتعالى هو مبتدأ البهائم الذي لم تنتقل عنه أي عن أصله وإن كانت منتقلة في شؤونه بتنقل الشؤون الإلهية لأنها لا تثبت على حال .
ولذلك كان من وصفهم الله عز وجل من هؤلاء القوم أضل سبيلاً من الأنعام لأنهم يريدون الخروج من الحيرة من طريق فكرهم ونظرهم ولا يمكن ذلك لهم والبهائم علمت ذلك ووقفت عنده ولم تطلب الخروج عنه وذلك لشدة علمها بالله تعالى اه .
ونقل الشهاب عن ابن المنير أن من ذهب إلى أن البهائم والهوام مكلفة لها رسل من جنسها فهو من الملاحدة الذين لا يعول عليهم كالجاحظ وغيره ، وعلى إكفار القائل بذلك نص كثير من الفقهاء والجزاء الذي يكون يوم القيامة للحيوانات عندهم ليس جزاء تكليف ، على أن بعضهم ذهب إلى أن الحيوانات لا تحشر يوم القيامة وأول الظواهر الدالة على ذلك . وما نقل عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما لا أصل له .
والمثلية في الآية لا تدل على شيء مما ذكر . وأغرب الغريب عند أهل الظاهر أن الصوفية قدس الله تعالى أسرارهم جعلوا كل شيء في الوجود حياً دراكاً يفهم الخطاب ويتألم كما يتألم الحيوان وما يزيد الحيوان على الجماد إلا بالشهوة ، ويستندون في ذلك إلى الشهود . وربما يستدلون بقوله سبحانه وتعالى : { وَإِن مّن شَىْء إِلاَّ يُسَبّحُ بِحَمْدَهِ ولكن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ } ( الإسراء ؛ 44 ) وبنحو ذلك من الآيات والأخبار . والذي ذهب إليه الأكثرون من العلماء أن التسبيح حالي لا قالي ، ونظير ذلك
: شكى إلي جملي طول السرى *** و : امتلأ الحوض وقال قطني
وما يصدر عن بعض الجمادات من تسبيح قالي كتسبيح الحصى في كفه الشريف صلى الله عليه وسلم مثلاً إنما هو عن خلق إدراك إذ ذاك ، وما يشاهد من الصنائع العجيبة لبعض الحيوانات ليس كما قال الشيخ الرئيس مما يصدر عن استنباط وقياس بل عن إلهام وتسخير ، ولذلك لا تختلف ولا تتنوع ، والنقض بالحركة الفلكية لا يرد بناءً على قواعدنا . وعدم افتراس الأسد المعلم مثلاً صاحبه ليس عن اعتقاد بل هناك هيئة أخرى نفسانية وهي أن كل حيوان يحب بالطبع ما يلذه والشخص الذي يطعمه محبوب عنده فيصير ذلك مانعاً عن افتراسه . وربما يقع هذا العارض عن إلهام إلهي مثل حب كل حيوان ولده . وعلى هذا الطرز يخرج الخوف مثلاً الذي يعتري بعض الحيوانات .
وقد أطالوا الكلام في هذا المقام ، وأنا لا أرى مانعاً من القول بأن للحيوانات نفوساً ناطقة وهي متفاوتة الإدراك حسب تفاوتها في أفراد الإنسان وهي مع ذلك كيفما كانت لا تصل في إدراكها وتصرفها إلى غاية يصلها الإنسان والشواهد على هذا كثيرة وليس في مقابلتها قطعي يجب تأويلها لأجله . وقد صرح غير واحد أنها عارفة بربها جل شأنه ، وأما إن لها رسلاً من جنسها فلا أقول به ولا أفتي بكفر من قال به . وأما أن الجمادات حية مدركة فأمر وراء طور عقلي ، والله تعالى على كل شيء قدير وهو العليم الخبير .
( هذا ومن باب الإشارة ) :{ وَمَا مِن دَابَّةٍ فِى الأرض وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أمثالكم } حيث فطروا على التوحيد وجبلوا على المعرفة ولهم مشارب من بحر خطاب الله تعالى وأفنان من أشجار رياض كلماته سبحانه وحنين إليه عز وجل وتغريد باسمه عز اسمه . قيل : إن سمنون المحب كان إذا تكلم في المحبة يسقط الطير من الهواء . وروي في بعض الآثار أن الضب بعد أن تكلم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وشهد برسالته أنشأ يقول :
ألا يا رسول الله إنك صادق *** فبوركت مهدياً وبوركت هادياً
وبوركت في الآزال حياً وميتا *** وبوركت مولوداً وبوركت ناشياً
وإن فيهم أيضاً المحتجبين ومرتكبي الرذائل وغير ذلك . وقد تقدم الكلام في هذا المبحث مفصلاً { مَّا فَرَّطْنَا فِى الكتاب } أي كتاب أعمالهم { مِن شَىْء ثُمَّ إلى رَبّهِمْ يُحْشَرُونَ } [ الأنعام : 38 ] في عين الجمع