مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{وَقَطَّعۡنَٰهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ أُمَمٗاۖ مِّنۡهُمُ ٱلصَّـٰلِحُونَ وَمِنۡهُمۡ دُونَ ذَٰلِكَۖ وَبَلَوۡنَٰهُم بِٱلۡحَسَنَٰتِ وَٱلسَّيِّـَٔاتِ لَعَلَّهُمۡ يَرۡجِعُونَ} (168)

قوله تعالى : { وقطعناهم في الأرض أمما منهم الصالحون ومنهم دون ذلك وبلوناهم بالحسنات والسيئات لعلهم يرجعون }

واعلم أن قوله : { وقطعناهم } أحد ما يدل على أن الذي تقدم من قوله : { ليبعثن عليهم } المراد جملة اليهود ، ومعنى { قطعناهم } أي فرقناهم تفريقا شديدا . فلذلك قال بعده : { في الأرض أمما } وظاهر ذلك أنه لا أرض مسكونة إلا ومنهم فيها أمة ، وهذا هو الغالب من حال اليهود ، ومعنى قطعناهم ، فإنه قلما يوجد بلد إلا وفيه طائفة منهم .

ثم قال : { منهم الصالحون } قيل المراد القوم الذين كانوا في زمن موسى عليه السلام لأنه كان فيهم أمة يهدون بالحق . وقال ابن عباس ومجاهد : يريد الذين أدركوا النبي صلى الله عليه وسلم وآمنوا به وقوله : { ومنهم دون ذلك } أي ومنهم قوم دون ذلك ، والمراد من أقام على اليهودية .

فإن قيل : لم لا يجوز أن يكون قوله : { ومنهم دون ذلك } من يكون صالحا إلا أن صلاحه كان دون صلاح الأولين لأن ذلك إلى الظاهر أقرب .

قلنا : أن قوله بعد ذلك : { لعلهم يرجعون } يدل على أن المراد بذلك من ثبت على اليهودية وخرج من الصلاح .

أما قوله : { وبلوناهم بالحسنات والسيئات } أي عاملناهم معاملة المبتلى المختبر بالحسنات ، وهي النعم والخصب والعافية ، والسيئات هي الجدب والشدائد ، قال أهل المعاني : وكل واحد من الحسنات والسيئات يدعو إلى الطاعة ، أما النعم فلأجل الترغيب ، وأما النقم فلأجل الترهيب . وقوله : { يرجعون } يريد كي يتوبوا .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَقَطَّعۡنَٰهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ أُمَمٗاۖ مِّنۡهُمُ ٱلصَّـٰلِحُونَ وَمِنۡهُمۡ دُونَ ذَٰلِكَۖ وَبَلَوۡنَٰهُم بِٱلۡحَسَنَٰتِ وَٱلسَّيِّـَٔاتِ لَعَلَّهُمۡ يَرۡجِعُونَ} (168)

{ وقطعناهم } أي فرقنا بني اسرائيل أو صيرناهم { فِى الارض } وجعلنا كل فرقة منهم في قطر من أقطارها بحيث لا يكاد يخلو قطر منهم تكملة لأدبارهم حتى لا يكون لهم شوكة وهذا من مغيبات القرآن كالذي تضمنته الآية قبل ، وقوله سبحانه : { أُمَمًا } إما مفعول ثان لقطعنا وإما حال من مفعوله { مّنْهُمُ الصالحون } وهم كما قال الطبري من آمن بالله تعالى ورسوله وثبت على دينه قبل بعث عيسى عليه الصلاة والسلام وقيل هم الذين أدركوا النبي صلى الله عليه وسلم وآمنوا به ونسب ذلك إلى ابن عباس . ومجاهد ، وقيل : هم الذين وراء الصين وهو عندي وراء الصين ، والجار متعلق بمحذوف خبر مقدم والصالحون مبتدأ ، وجوز أن يكون فاعلاً للظرف والجملة في موضع النصب صفة لأمم على الاحتمالين ، وجوز أن تكون في موضع الحال وهي بدل من أمم على الاحتمال الثاني وأن تكون صفة موصوف مقدر هو البدل على الأول أي قوماً منهم الصالحون { وَمِنْهُمْ دُونَ ذلك } أي منحطون عن أولئك الصالحين غير بالغين منزلتهم في الصلاح وهم الذين امتثلوا بعض الأوامر وخالفوا بعضاً مع كونهم مؤمنين ، وقيل : هم الكفرة منهم بناء على أن المراد بالصلاح الإيمان ، وقيل : المراد بهم ما يشمل الكفرة والفسقة ، والجار متعلق بمحذوف خبر مقدم و { دُونِ } على ما ذكره الطبرسي مبتدأ إلا أنه بقي مفتوحاً لتمكنه في الظرفية مع إضافته إلى المبنى ، ومثله على قول أبي الحسن { بَيْنِكُمْ } في قوله سبحانه : { لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ } [ الأنعام : 94 ] أو المبتدأ محذوف والظرف صفته أي ومنهم أناس أو فرقة دون ذلك ، ومن المشهور عند النحاة أن الموصوف بظرف أو جملة يطرد حذفه إذا كان بعض اسم مجرور بمن أو في مقدم عليه كما في منا أقام ومنا ظعن ، ومحط الفائدة الانقسام إلى أن هؤلاء منقسمون إلى قسمين ، ومن الناس من تكلف في مثل هذا التركيب لجعل الظرف الأول صفة مبتدأة محذوف ، وجعل الظرف الثاني خبراً لما ظنه داعياً لذلك ، وليس بشيء ، والإشارة للصالحين ، وقد ذكروا أن اسم الإشارة المفرد قد يستعمل للمثنى والمجموع وقد مرت الإشارة إليه ، وقيل : أشير به إلى الصلاح كما يقتضيه ظاهر الأفراد ويقدر حينئذ مضاف وهو أهل مثلا { وبلوناهم بالحسنات } الخصب والعافية { والسيئات } الجدب والشدة { لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } أي يتوبون عما كانوا عليه مما نهوا عنه .

( هذا ومن باب الإشارة ) :{ وقطعناهم } أي فرقنا بني إسرائيل الروح { فِى الأرض } أي أرض البدن { أُمَمًا } جماعات { مّنْهُمُ الصالحون } أي الكاملون في الصلاح كالعقل { وَمِنْهُمْ دُونَ ذلك } فيه كالقلب ومن جعل القلب أكمل من العقل عكس الأمر { وبلوناهم بالحسنات والسيئات } تجليات الجمال والجلال { لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } [ الأعراف : 168 ] بالفناء إلينا