مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{إِنِّي تَوَكَّلۡتُ عَلَى ٱللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمۚ مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلَّا هُوَ ءَاخِذُۢ بِنَاصِيَتِهَآۚ إِنَّ رَبِّي عَلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ} (56)

ثم قال : { ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها } قال الأزهري : الناصية عند العرب منبت الشعر في مقدم الرأس . ويسمى الشعر النابت هناك ناصية باسم منبته .

واعلم أن العرب إذا وصفوا إنسانا بالذلة والخضوع . قالوا : ما ناصية فلان إلا بيد فلان ، أي أنه مطيع له ، لأن كل من أخذت بناصيته فقد قهرته ، وكانوا إذا أسروا الأسير فأرادوا إطلاقه والمن عليه جزوا ناصيته ليكون ذلك علامة لقهره . فخوطبوا في القرآن بما يعرفون فقوله : { ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها } أي ما من حيوان إلا وهو تحت قهره وقدرته ، ومنقاد لقضائه وقدره .

ثم قال : { إن ربي على صراط مستقيم } وفيه وجوه : الأول : أنه تعالى لما قال : { ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها } أشعر ذلك بقدرة عالية وقهر عظيم فأتبعه بقوله : { إن ربى على صراط مستقيم } أي أنه وإن كان قادرا عليهم لكنه لا يظلمهم ولا يفعل بهم إلا ما هو الحق والعدل والصواب ، قالت المعتزلة قوله : { ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها } يدل على التوحيد وقوله : { إن ربي على صراط مستقيم } يدل على العدل ، فثبت أن الدين إنما يتم بالتوحيد والعدل . والثاني : أنه تعالى لما ذكر أن سلطانه قهر جميع الخلق أتبعه بقوله : { إن ربي على صراط مستقيم } يعني أنه لا يخفى عليه مستتر ، ولا يفوته هارب ، فذكر الصراط المستقيم وهو يعني به الطريق الذي لا يكون لأحد مسلك إلا عليه ، كما قال : { إن ربك لبالمرصاد } الثالث : أن يكون المراد { إن ربي } يدل على الصراط المستقيم ، أي يحث ، أو يحملكم بالدعاء إليه .

 
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير للجزائري - أبوبكر الجزائري [إخفاء]  
{إِنِّي تَوَكَّلۡتُ عَلَى ٱللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمۚ مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلَّا هُوَ ءَاخِذُۢ بِنَاصِيَتِهَآۚ إِنَّ رَبِّي عَلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ} (56)

شرح الكلمات :

{ آخذ بناصيتها } : أي مالكها وقاهرها ومتصرف فيها . فلا تملك نفعاً ولا ضراً إلا بإِذنه .

{ إن ربي على صراط مستقيم } : أي على طريق الحق والعدل .

المعنى :

ثم كشف لهم عن مصدر قوته وهو توكله على ربّه فقال { إني توكلت على الله ربي وربكم } أي فوضت أمري إليه وجعلت كل ثقتي فيه فهو لا يسلمني إليكم ولا يخذلني بينكم . ثم أعلمهم بإِحاطة قدرة الله بهم وقهره لهم فقال { وما من دابّة إلا هو آخذ بناصيتها } أي قاهر لها متحكم فيها يقودها حيث شاء وينزل بها من العذاب ما يشاء ، ثم أعلمهم أن ربّه تعالى على طريق العدل والحق فلا يُسلط أعداءه على أوليائه ، فقال { إن ربّي على صراط مستقيم } فلذا أنا لست بخائف ولا وجل ثم قال لهم { فإِن تولوا } .