الإنعام الثاني : قوله تعالى : { ومن الشياطين من يغوصون له ويعملون عملا دون ذلك وكنا لهم حافظين } وفيه مسائل :
المسألة الأولى : المراد أنهم يغوصون له في البحار فيستخرجون الجواهر ويتجاوزون ذلك إلى الأعمال والمهن وبناء المدن والقصور واختراع الصنائع العجيبة كما قال : { يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان } وأما الصناعات فكاتخاذ الحمام والنورة والطواحين والقوارير والصابون .
المسألة الثانية : قوله : { ومن الشياطين من يغوصون له } يعني وسخرنا لسليمان من الشياطين من يغوصون له ، فيكون في موضع النصب نسقا على الريح قال الزجاج ويجوز أن يكون في موضع رفع من وجهين : أحدهما : النسق على الريح ، وأن يكون المعنى : ولسليمان الريح وله من يغوصون له من الشياطين ، ويجوز أن يكون رفعا على الابتداء ويكون له هو الخبر .
المسألة الثالثة : يحتمل أن يكون من يغوص منهم هو الذي يعمل سائر الأعمال ، ويحتمل أنهم فرقة أخرى ويكون الكل داخلين في لفظة من وإن كان الأول هو الأقرب .
المسألة الرابعة : ليس في الظاهر إلا أنه سخرهم ، لكنه قد روى أنه تعالى سخر كفارهم دون المؤمنين وهو الأقرب من وجهين : أحدهما : إطلاق لفظ الشياطين . والثاني : قوله : { وكنا لهم حافظين } فإن المؤمن إذا سخر في أمر لا يجب أن يحفظ لئلا يفسد ، وإنما يجب ذلك في الكافر .
المسألة الخامسة : في تفسير قوله : { وكنا لهم حافظين } وجوه : أحدها : أنه تعالى وكل بهم جمعا من الملائكة أو جمعا من مؤمني الجن . وثانيها : سخرهم الله تعالى بأن حبب إليهم طاعته وخوفهم من مخالفته . وثالثها : قال ابن عباس رضي الله عنهما : يريد وسلطانه مقيم عليهم يفعل بهم ما يشاء ، فإن قيل وعن أي شيء كانوا محفوظين قلنا فيه ثلاثة أوجه : أحدها : أنه تعالى كان يحفظهم عليه لئلا يذهبوا ويتركوه . وثانيها : قال الكلبي كان يحفظهم من أن يهيجوا أحدا في زمانه . وثالثها : كان يحفظهم من أن يفسدوا ما عملوا فكان دأبهم أنهم يعملون بالنهار ثم يفسدونه في الليل .
المسألة السادسة : سأل الجبائي نفسه ، وقال : كيف يتهيأ لهم هذه الأعمال وأجسامهم رقيقة لا يقدرون على عمل الثقيل ، وإنما يمكنهم الوسوسة ؟ وأجاب بأنه سبحانه كثف أجسامهم خاصة وقواهم وزاد في عظمهم ليكون ذلك معجزا لسليمان عليه السلام ، فلما مات سليمان ردهم الله إلى الخلقة الأولى لأنه لو بقاهم على الخلقة الثانية لصار شبهة على الناس ، ولو ادعى متنبي النبوة وجعله دلالة لكان كمعجزات الرسل فلذا ردهم إلى خلقتهم الأولى ، واعلم أن هذا الكلام ساقط من وجوه : أحدها : لم قلت إن الجن من الأجسام ، ولم لا يجوز وجود محدث ليس بمتحيز ولا قائم بالمتحيز ويكون الجن منهم ؟ فإن قلت : لو كان الأمر كذلك لكان مثلا للباري تعالى ، قلت : هذا ضعيف لأن الاشتراك في اللوازم الثبوتية لا يدل على الاشتراك في الملزومات فكيف اللوازم السلبية ، سلمنا أنه جسم ، لكن لا يجوز حصول القدرة على هذه الأعمال الشاقة في الجسم اللطيف ، وكلامه بناء على البنية شرط وليس في يده إلا الاستقراء الضعيف . سلمنا أنه لا بد من تكثيف أجسامهم لكن لم قلت بأنه لا بد من ردها إلى الخلقة الأولى بعد موت سليمان عليه السلام ، فإن قال : لئلا يفضي إلى التلبيس قلنا التلبيس غير لازم ، لأن المتنبي إذا جعل ذلك معجزة لنفسه فللمدعي أن يقول : لم لا يجوز أن يقال إن قوة أجسادهم كانت معجزة لنبي آخر قبلك ، ومع قيام هذا الاحتمال لا يتمكن المتنبي من الاستدلال به ، واعلم أن أجسام هذا العالم إما كثيفة أو لطيفة ، أما الكثيف فأكثف الأجسام الحجارة والحديد وقد جعلهما الله تعالى معجزة لداود عليه السلام ، فأنطق الحجر ولين الحديد وكل واحد منهما كما يدل على التوحيد والنبوة يدل على صحة الحشر ، لأنه لما قدر على إحياء الحجارة فأي بعد في إحياء العظام الرميمة ، وإذا قدر على أن يجعل في إصبع داود عليه السلام قوة النار مع كون الإصبع في نهاية اللطافة ، فأي بعد في أن يجعل التراب اليابس جسما حيوانيا ، وألطف الأشياء في هذا العالم الهواء والنار ، وقد جعلهما الله معجزة لسليمان عليه السلام ، أما الهواء فقوله تعالى : { فسخرنا له الريح } وأما النار فلأن الشياطين مخلوقون منها وقد سخرهم الله تعالى فكان يأمرهم بالغوص في المياه والنار تنطفئ بالماء وهم ما كان يضرهم ذلك ، وذلك يدل على قدرته على إظهار الضد من الضد .
وكذلك تسخير الجن لسليمان - عليه السلام - ليغوصوا في أعماق البحر أو أعماق اليابسة . ويستخرجوا كنوزها المخبوءة لسليمان ؛ أو ليعملوا له أعمالا غير هذا وذاك . . فالجن كل ما خفي . وقد قررت النصوص القرآنية أن هناك خلقا يسمون الجن خافين علينا ، فمن هؤلاء سخر الله لسليمان من يغوصون له ويعملون عملا دون ذلك . وحفظهم فلا يهربون ولا يفسدون ولا يخرجون على طاعة عبده . وهو القاهر فوق عباده يسخرهم حين يشاء كيف يشاء .
وعند هذا الحد المأمون نقف في ظلال النصوص . فلا نسبح في الإسرائيليات .
لقد ابتلى الله داود وسليمان - عليهما السلام - بالسراء . وفتنتهما في هذه النعمة . فتن داود في القضاء . وفتن سليمان بالخيل الصافنات - كما سيأتي في سورة ص - فلا نتعرض هنا لتفصيلات الفتنة حتى يأتي ذكرها في موضعها . إنما نخلص إلى نتائجها . . لقد صبر داود ، وصبر سليمان للابتلاء بالنعمة - بعد الاستغفار من الفتنة - واجتازوا الامتحان في النهاية بسلام ؛ فكانا شاكرين لنعمة الله .
82 - وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَن يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ .
الغوص : النزول إلى قاع البحار لإخراج شيء منها .
دون ذلك : غير ذلك كبناء المدن والقصور واختراع الصناعات الغريبة .
كذلك سخرنا لسليمان الشياطين والجن يأتمرون بأمره ، ويعملون تحت حكمه ، لا يخرجون عن طاعته ، ومن أعمال الشياطين : الغوص في البحار ، واستخراج اللؤلؤ والمرجان والجواهر ونحوها .
وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَلِكَ .
أي : ويعملون أعمالا غير ذلك ؛ كبناء المدن والقصور ، والمحاريب والتماثيل ، والقدور الراسيات ونحوها ، وأما الصناعات فهي مثل الطواحين والقوارير والصابون .
أي : حافظين لأعمالهم ، نحرسه من أن يناله أحدهم بسوء ، وقد جعلنا له سلطة مطلقة عليهم ؛ إن شاء أطلق وإن شاء حبس منهم من يشاء . ذللهم الله له ، وجعلهم طوع أمره ، ورهن إشارته ؛ لا يجرؤ أحد منهم على الاقتراب منه ، ولا يستطيعون أن يفسدوا أعمالهم ، وأن يهيجوا أحدا من بني آدم في زمان سليمان أو أن يهربوا أو يمتنعوا عن أمره .
فلله جنود السماوات والأرض ، وما يعلم جنود ربك إلا هو ، فهو سبحانه مالك الملك ؛ وواضع الناموس وفاعل المعجزة ؛ وإذا شاء وهب ما شاء لمن يشاء ؛ ولا يبعد أن تكون لهذه الأفعال نواميس أخرى نحن لا نعلمها ؛ وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً . ( الإسراء : 85 ) .
{ وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَلِكَ } وهذا أيضا من خصائص سليمان عليه السلام ، أن الله سخر له الشياطين والعفاريت ، وسلطه على تسخيرهم في الأعمال ، التي لا يقدر على كثير منها غيرهم ، فكان منهم من يغوص له في البحر ، ويستخرج الدر ، واللؤلؤ ، وغير ذلك ، ومنهم من يعمل له { مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ } وسخر طائفة منهم ، لبناء بيت المقدس ، ومات ، وهم على عمله ، وبقوا بعده سنة ، حتى علموا موته ، كما سيأتي إن شاء الله تعالى .
{ وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ } أي : لا يقدرون على الامتناع منه وعصيانه ، بل حفظهم الله له ، بقوته وعزته ، وسلطانه .