مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{لِتُنذِرَ قَوۡمٗا مَّآ أُنذِرَ ءَابَآؤُهُمۡ فَهُمۡ غَٰفِلُونَ} (6)

وقوله تعالى : { لتنذر قوما ما أنذر آباؤهم فهم غافلون } .

قد تقدم تفسيره في قوله : { لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك } وقيل المراد الإثبات وهو على وجهين أحدهما : لتنذر قوما ما أنذر آباؤهم ، فتكون ما مصدرية الثاني : أن تكون موصولة معناه : لتنذر قوما الذين أنذر آباؤهم فهم غافلون ، فعلى قولنا ما نافية تفسيره ظاهر فإن من لم ينذر آباؤه وبعد الإنذار عنه فهو يكون غافلا ، وعلى قولنا هي للإثبات كذلك لأن معناه لتنذرهم إنذار آبائهم فإنهم غافلون ، وفيه مسائل :

المسألة الأولى : كيف يفهم التفسيران وأحدهما يقتضي أن لا يكون آباؤهم منذرين والآخر يقتضي أن يكونوا منذرين وبينهما تضاد ؟ نقول على قولنا ما نافية معناه ما أنذر آباؤهم وإنذار آبائهم الأولين لا ينافي أن يكون المتقدمون من آبائهم منذرين والمتأخرون منهم غير منذرين .

المسألة الثانية : قوله : { لتنذر قوما ما أنذر آباؤهم } يقتضي أن لا يكون النبي صلى الله عليه وسلم مأمورا بإنذار اليهود لأن آباءهم أنذروا ، نقول ليس كذلك ، أما على قولنا ما للإثبات لا للنفي فظاهر ، وأما على قولنا هي نافية فكذلك ، وقد بينا ذلك في قوله تعالى : { بل هو الحق من ربك لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك } وقلنا إن المراد أن آباءهم قد أنذروا بعد ضلالهم وبعد إرسال من تقدم فإن الله إذا أرسل رسولا فما دام في القوم من يبين دين ذلك النبي ويأمر به لا يرسل الرسول في أكثر الأمر ، فإذا لم يبق فيهم من يبين ويضل الكل ويتباعد العهد ويفشو الكفر يبعث رسولا آخر مقررا لدين من كان قبله أو واضعا لشرع آخر ، فمعنى قوله تعالى : { لتنذر قوما ما أنذر آباؤهم } أي ما أنذروا بعد ما ضلوا عن طريق الرسول المتقدم واليهود والنصارى دخلوا فيه لأنهم لم تنذر آباؤهم الأدنون بعد ما ضلوا ، فهذا دليل على كون النبي صلى الله عليه وسلم مبعوثا بالحق إلى الخلق كافة .

المسألة الثالثة : قوله : { فهم غافلون } دليل على أن البعثة لا تكون إلا عند الغفلة ، أما إن حصل لهم العلم بما أنزل الله بأن يكون منهم من يبلغهم شريعة ويخالفونه فحق عليهم الهلاك ولا يكون ذلك تعذيبا من قبل أن يبعث الله رسولا ، وكذلك من خالف الأمور التي لا تفتقر إلى بيان الرسل يستحق الإهلاك من غير بعثة ، وليس هذا قولا بمذهب المعتزلة من التحسين والتقبيح العقلي بل معناه أن الله تعالى لو خلق في قوم علما بوجوب الأشياء وتركوه لا يكونون غافلين فلا يتوقف تعذيبهم على بعثة الرسل .

 
تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{لِتُنذِرَ قَوۡمٗا مَّآ أُنذِرَ ءَابَآؤُهُمۡ فَهُمۡ غَٰفِلُونَ} (6)

وذلك لتنذِرَ قوماً لم يأتِهم نذير قبلك ، فهم غافلون عما يجب عليهم وفي غفلة ساهون .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{لِتُنذِرَ قَوۡمٗا مَّآ أُنذِرَ ءَابَآؤُهُمۡ فَهُمۡ غَٰفِلُونَ} (6)

{ لّتُنذِرَ } متعلق بتنزيل أو بفعله المضمر على الوجه الثاني في إعرابه أي نزل تنزيل العزيز الرحيم لتنذر به أو بما يدل عليه { لَمِنَ المرسلين } [ يس : 3 ] أي أرسلت أو إنك مرسل لتنذر { قَوْماً مَّا أُنذِرَ ءابَاؤُهُمْ } أي لم تنذر آباؤهم على ما روي عن قتادة فما نافية والجملة صفة { قَوْماً } مبينة لغاية احتياجهم إلى الإنذار ، والمراد بالإنذار الإعلام أو التخويف ومفعوله الثاني محذوف أي عذاباً لقوله تعالى : { إِنَّا أنذرناكم عَذَاباً قَرِيباً } [ النبأ : 0 4 ] والمراد بآبائهم آباؤهم الأدنون وإلا فالأبعدون قد أنذرهم إسماعيل عليه السلام وبلغهم شريعة إبراهيم عليه السلام .

وقد كان منهم من تمسك بشرعه على أتم وجه ثم تراخى الأمر وتطاول المدد فلم يبق من شريعته عليه السلام إلا الاسم . وفي «البحر » الدعاء إلى الله تعالى لم ينقطع عن كل أمة أما بمباشرة من أنبيائهم وأما بنقل إلى وقت بعثة نبينا صلى الله عليه وسلم والآيات التي تدل على أن قريشاً ما جاءهم نذير معناها لم يباشرهم ولا آباءهم القريبين . وأما أن النذارة انقطعت فلا ، ولما شرعت آثارها تندرس بعث النبي صلى الله عليه وسلم وما ذكره المتكلمون من حال أهل الفترات فهو على حسب الفرض اه .

وعليه فالمعنى ما أنذر آباءهم رسول أي لم يباشرهم بالإنذار لا أنه لم ينذرهم منذر أصلاً فيجوز أن يكون قد أنذرهم من ليس بنبي كزيد بن عمرو بن نفيل . وقس بن ساعدة فلا منافاة بين ما هنا وقوله تعالى : { وَإِن مّنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلاَ فِيهَا نَذِيرٌ } [ فاطر : 4 2 ] وليس في ذلك إنكار الفترة المذكورة في قوله تعالى : { على فَتْرَةٍ مَّنَ الرسل } [ المائدة : 19 ] لأنها فترة إرسال وانقطاعها زماناً لا فترة إنذار مطلقاً ، وعن عكرمة { مَا } بمعنى الذي ، وجوز أن تكون موصوفة وهي على الوجهين مفعول ثان لتنذر أي لتنذر قوماً الذي أنذره أو شيئاً أنذره الرسل آباءهم الأبعدين ، وقال ابن عطية : يحتمل أن تكون ما مصدرية فتكون نعتاً لمصدر مؤكد أي لتنذر قوما إنذاراً مثل إنذار الرسل آباءهم الأبعدين ، وقيل هي زائدة وليس بشيء { فَهُمْ غافلون } هو على الوجه الأول متفرع على نفي الإنذار ومتسبب عنه والضمير للفريقين أي لم ينذر آباؤهم فهم جميعاً لأجل ذلك غافلون ، وعلى الأوجه الباقية متعلق بقوله تعالى : { لّتُنذِرَ } أو بما يفيده { إِنَّكَ لَمِنَ المرسلين } وارد لتعليل إنذاره عليه الصلاة والسلام أو إرساله بغفلتهم المحوجة إليه نحو اسقه فإنه عطشان على أن الضمير للقوم خاصة فالمعنى فهم غافلون عنه أي عما أنذر آباؤهم .

وقال الخفاجي : يجوز تعلقه بهذا على الأول أيضاً وتعلقه بقوله تعالى : { لّتُنذِرَ } على الوجوه وجعل الفاء تعليلية والضمير لهم أو لآبائهم اه ، ولا يخفى عليك أن المنساق إلى الذهن ما قرر أولاً .