فتح الرحمن في تفسير القرآن لتعيلب - تعيلب  
{لِتُنذِرَ قَوۡمٗا مَّآ أُنذِرَ ءَابَآؤُهُمۡ فَهُمۡ غَٰفِلُونَ} (6)

{ لتنذر } لتحذر وتخوف .

{ ما أنذر آباؤهم } لم يرسل إلى آبائهم قبلك من نذير .

{ غافلون } صاحبتهم الغفلة فلم يعلموا ، أو علموا فأعرضوا وتغافلوا .

بسم الله الرحمن الرحيم

{ يس( 1 )والقرآن الحكيم( 2 )إنك لمن المرسلين( 3 )على صراط مستقيم( 4 )تنزيل العزيز الرحيم( 5 )لتنذر قوما ما أنذر آباؤهم فهم غافلون( 6 ) } .

يمكن أن يقال في معنى قول المولى- تبارك اسمه- : { يس } ما قيل في مثيلاتها من فواتح السور التي تكون حروف تهج ؛ مثل( ص ) و( ق ) و( طس ) و( حم ) و( الم ) و( الر ) فهي إما من المتشابه الذي لا يعلم تأويله إلا الله ، أو اسم من أسماء السورة ، أو أريد بها التحدي ، فكأنه قيل : الكلام الذي تنطقون به مؤلف من تلك الحروف وكلمات الكتاب الكريم مكونة من تلك الحروف ، لكنكم - مع تكون كلمات القرآن من حروف كحروف نطقكم- عجزتم وسيظل الخلق عاجزين عن الإتيان بمثل آيات الذكر الحكيم ؛ فثبت أنه ليس من كلام البشر ، وإنما هو كلام ربّ القوى والقدر ؛ وذهب مفسرون إلى أنه نداء للرسول صلى الله عليه وسلم ، وأنه اسم من أسمائه عليه الصلاة والسلام{[3873]} ؛ وأقسم الله تعالى بالقرآن المحكم الذي لا تناقض فيه ، ولا يلحقه بطلان ولا اختلال أن محمدا-صلى عليه ربنا وسلم- مبعوث من الله سبحانه إلى العباد .

[ جاء قسم . . . لتحقيق رسالته والشهادة بهدايته ؛ أقسم الله تعالى . . أنه لمن المرسلين بوحيه إلى عباده ، وعلى صراط مستقيم من إيمانه ، أي طريق لا اعوجاج فيه ولا عدول عن الحق ؛ قال النقاش : لم يقسم الله تعالى لأحد من أنبيائه بالرسالة في كتابه إلا له ؛ . . وحكى القشيري : قال ابن عباس : قالت كفار قريش : لست مرسلا ، وما أرسلك الله إلينا ، فأقسم الله بالقرآن المحكم أن محمدا من المرسلين ؛ و{ الحكيم } المحكم حتى لا يتعرض لبطلان وتناقض ؛ كما قال : ( . . أحكمت آياته . . ){[3874]} ، وكذلك أحكم في نظمه ومعانيه فلا يلحقه خلل . ]{[3875]} .

- وفي قوله : { على صراط مستقيم } وجهان- أحدهما : أن يكون معناه : إنك لمن المرسلين على استقامة من الحق ، فيكون حينئذ { على } من قوله : { على صراط مستقيم } من صلة الإرسال ؛ والآخر : أن يكون خبر مبتدأ[ أي إخبارا عن شأن ليس من جملة الأول ] كأنه قيل : إنك لمن المرسلين ؛ إنك على صراط مستقيم . . . ومعنى الكلام إنك لمن المرسلين يا محمد إرسال الربّ العزيز في انتقامه من أهل الكفر به ، الرحيم بمن تاب إليه وأناب من كفره وفسوقه أن يعاقبه على سالف جرمه بعد توبته له-{[3876]}

ومما نقل صاحب تفسير غرائب القرآن : وكثيرا ما يستعمل القسم بعد إفحام الخصم الألدّ كيلا يقول : إنك قد أفحمت بقوة جدالك ، وأنت في نفسك خبير بضعف مقالك . . . وكانت العرب يتحرزون من الأيمان الفاجرة ، ويقولون : إنها تدع الديار بلاقع . . . وقوله : { على صراط } كالتأكيد ، لأن المرسلين لا يكونون إلا على المنهج القويم ، وتنكير { صراط } للتعظيم ؛ قيل : فيه دليل على فساد قول المباحية القائلين بأن المكلف إذا صار واصلا لم يبق عليه تكليف ، فإن المرسلين لم يستغنوا عن رعاية الشريعة فكيف غيرهم ؟ ! وقوله : { ما أنذر آباؤهم } كقوله في القصص : ( . . لتنذر قوما ما أتاهم من نذير . . ){[3877]} وقد مرّ أنه يشمل اليهود والنصارى لأن آباءهم الأدنين لم ينذروا بعدما ضلوا { فهم غافلون( 6 ) } لهذا السبب ا . ه . وعن قتادة وغيره : { ما } لا موضع لها من الإعراب لأنها نفي ، والمعنى : لتنذر قوما ما أتى آباءهم قبلك نذير ؛ وقيل : هي بمعنى الذي ، فالمعنى : لتنذرهم مثل ما أنذر آباؤهم ، وقيل : إن{ ما } والفعل مصدر ؛ أي : لتنذر قوما إنذار آبائهم ، ويجوز أن يكون العرب قد بلغتهم بالتواتر أخبار الأنبياء ، فالمعنى : لم ينذروا برسول من أنفسهم ، { فهم غافلون } عن سوء مصير من ضل ؛ ولقد قامت حجة الله ، وحذر عز وجل : { ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون }{[3878]} .


[3873]:نقل القرطبي عن ابن عباس وابن مسعود وغيرهما أن معناه: يا إنسان، وقالوا في قوله تعالى (سلام على آل ياسين)أي آل محمد، وقال سعيد ابن جبير: هو اسم من أسماء محمد صلى الله عليه وسلم، ودليله:{إنك لمن المرسلين} يراجع من شاء [الجامع لأحكام القرآن] ج15 ص4، وما بعدها. ونقل ابن كثير أنها من أسماء الله تعالى- ورواه عن مالك عن زيد بن أسلم..
[3874]:سورة هود.من الآية 1.
[3875]:مابين العلامتين[ ]مما نقله القرطبي.
[3876]:ما بين العلامتين من جامع البيان، بتصرف.
[3877]:من الآية 46، وتمامها: {وما كنت بجانب الطور إذ نادينا ولكن رحمة من ربك لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك لعلهم يتذكرون}.
[3878]:سورة الأعراف.الآية179.