ثم قال تعالى : { هذا ما توعدون } قال الزمخشري : هي جملة معترضة بين كلامين وذلك لأن قوله تعالى : { لكل أواب } بدل عن المتقين كأنه تعالى قال : ( أزلفت الجنة للمتقين لكل أواب ) كما في قوله تعالى : { لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم } غير أن ذلك بدل الاشتمال وهذا بدل الكل وقال : { هذا } إشارة إلى الثواب أي هذا الثواب ما توعدون أو إلى الإزلاف المدلول عليه بقوله : { أزلفت } أي هذا الإزلاف ما وعدتم به ، ويحتمل أن يقال هو كلام مستقل ووجهه أن ذلك محمول على المعنى لا ما يوعد به يقال للموعود هذا لك وكأنه تعالى قال هذا ما قلت إنه لكم .
ثم قال تعالى : { لكل أواب حفيظ } بدلا عن الضمير في { توعدون } ، وكذلك إن قرئ بالياء يكون تقديره هذا لكل أواب بدلا عن الضمير ، والأواب الرجاع ، قيل هو الذي يرجع من الذنوب ويستغفر ، والحفيظ الحافظ للذي يحفظ توبته من النقض . ويحتمل أن يقال الأواب هو الرجاع إلى الله بفكره ، والحفيظ الذي يحفظ الله في ذكره أي رجع إليه بالفكر فيرى كل شيء واقعا به وموجدا منه ثم إذا انتهى إليه حفظه بحيث لا ينساه عند الرخاء والنعماء ، والأواب الحفيظ كلاهما من باب المبالغة أي يكون كثير الأواب شديد الحفظ ، وفيه وجوه أخر أدق ، وهو أن الأواب هو الذي رجع عن متابعة هواه في الإقبال على ما سواه ، والحفيظ هو الذي إذا أدركه بأشرف قواه لا يتركه فيكمل بها تقواه ويكون هذا تفسيرا للمتقي ، لأن المتقي هو الذي أتقى الشرك والتعطيل ولم ينكره ولم يعترف بغيره ، والأواب هو الذي لا يعترف بغيره ويرجع عن كل شيء غير الله تعالى ، والحفيظ هو الذي لم يرجع عنه إلى شيء مما عداه .
{ هذا مَا تُوعَدُونَ } إشارة إلى الجنة ، والتذكير لما أن المشار إليه هو المسمى من غير قصد لفظ يدل عليه فضلاً عن تذكيره وتأنيثه فإنهما من أحكام اللفظ العربي كما في قوله تعالى : { فَلَماَّ رَأَى الشمس بَازِغَةً قَالَ هذا رَبّى } [ الأنعام : 78 ] وقوله سحبانه : { وَلَمَّا رَأَى المؤمنون الأحزاب قَالُواْ هذا مَا وَعَدَنَا الله وَرَسُولُهُ } [ الأحزاب : 22 ] ؛ ويجوز أن يكون ذلك لتذكير الخبر ، وقيل : هو إشارة إلى الثواب . وقيل : إلى مصدر { أُزْلِفَتْ } [ ق : 31 ] والجملة بتقدير قول وقع حالاً من المتقين أو من الجنة والعامل أزلفت أي مقولاً لهم أو مقولاً في حقها هذا ما توعدون ، أو اعتراض بين المبدل منه أعني { لّلْمُتَّقِينَ } والبدل أعني الجار والمجرور وفيه بعد .
وصيغة المضارع لاستحضار الصورة الماضية ، وقرأ ابن كثير . وأبو عمرو { يُوعَدُونَ } بياء الغيبة ، والجملة على هذه القراءة قيل : اعتراض أوحال من الجنة ؛ وقال أبو حيان : هي اعتراض ، والمراد هذا القول هو الذي وقع الوعد به وهو كما ترى ، وقوله تعالى : { لِكُلّ أَوَّابٍ } أي رجاع إلى الله تعالى بدل من المتقين بإعادة الجار أومن { لّلْمُتَّقِينَ } على أن يكون الجار والمجرور بدلاً من الجار والمجرور { حَفِيظٌ } حفظ ذنوبه حتى رجع عنها كما روى عن ابن عباس . وسعيد بن سنان ، وقريب مه ما أخرج سعيد بن منصور . وابن أبي شيبة . وابن المنذر عن يونس بن خباب قال : قال لي مجاهد : ألا أنبئك بالأواب الحفيظ ؟ هو الرجل يذكر ذنبه إذا خلا فيستغفر الله تعالى .
وأخرج عبد بن حميد . وابن جرير . وابن المنذر عن قتادة قال : أي حفيظ لما استودعه الله تعالى من حقه ونعمته . وأهرج ابن أبي شيبة . وابن المنذر عن عبيد بن عمير كنا نعد الأواب الحفيظ الذي يكون في المجلس فإذا أراد أن يقوم قال : اللهم اغفر لي ما أصبت في مجلسي هذا . وقيل : هو الحافظ لتوبته من النقض ولا ينافيه صيغة { أَوَّابٌ } كما لا يخفى .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.