مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{عَبَسَ وَتَوَلَّىٰٓ} (1)

مقدمة السورة:

سورة عبس

{ بسم الله الرحمان الرحيم عبس وتولى أن جاءه الأعمى } وفي الآية مسائل :

المسألة الأولى : أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم ابن أم مكتوم -وأم مكتوم أم أبيه واسمه عبد الله بن شريح بن مالك بن ربيعة الفهري من بني عامر بن لؤى- وعنده صناديد قريش عتبة وشيبة ابنا ربيعة وأبو جهل بن هشام ، والعباس بن عبد المطلب ، وأمية بن خلف ، والوليد بن المغيرة يدعوهم إلى الإسلام ، رجاء أن يسلم بإسلامهم غيرهم ، فقال للنبي صلى الله عليه وسلم أقرئني وعلمني مما علمك الله ، وكرر ذلك ، فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم قطعه لكلامه ، وعبس وأعرض عنه فنزلت هذه الآية ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكرمه ، ويقول إذا رآه «مرحبا بمن عاتبني فيه ربي » ويقول : «هل لك من حاجة » واستخلفه على المدينة مرتين ، وفي الموضع سؤالات :

الأول : أن ابن أم مكتوم كان يستحق التأديب والزجر ، فكيف عاتب الله رسوله على أن أدب ابن أم مكتوم وزجره ؟ وإنما قلنا : إنه كان يستحق التأديب لوجوه ( أحدها ) : أنه وإن كان لفقد بصره لا يرى القوم ، لكنه لصحة سمعه كان يسمع مخاطبة الرسول صلى الله عليه وسلم أولئك الكفار ، وكان يسمع أصواتهم أيضا ، وكان يعرف بواسطة استماع تلك الكلمات شدة اهتمام النبي صلى الله عليه وسلم بشأنهم ، فكان إقدامه على قطع كلام النبي صلى الله عليه وسلم وإلقاء غرض نفسه في البين قبل تمام غرض النبي إيذاء للنبي عليه الصلاة والسلام ، وذلك معصية عظيمة ( وثانيها ) : أن الأهم مقدم على المهم ، وهو كان قد أسلم وتعلم ، ما كان يحتاج إليه من أمر الدين ، أما أولئك الكفار فما كانوا قد أسلموا ، وهو إسلامهم سببا لإسلام جمع عظيم ، فإلقاء ابن أم مكتوم ، ذلك الكلام في البين كالسبب في قطع ذلك الخير العظيم ، لغرض قليل وذلك محرم ( وثالثها ) أنه تعالى قال : { إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون } فنهاهم عن مجرد النداء إلا في الوقت ، فههنا هذا النداء الذي صار كالصارف للكفار عن قبول الإيمان وكالقاطع على الرسول أعظم مهماته ، أولى أن يكون ذنبا ومعصية ، فثبت بهذا أن الذي فعله ابن أم مكتوم كان ذنبا ومعصية ، وأن الذي فعله الرسول كان هو الواجب ، وعند هذا يتوجه السؤال في أنه كيف عاتبه الله تعالى على ذلك الفعل ؟ .

السؤال الثاني : أنه تعالى لما عاتبه على مجرد أنه عبس في وجهه ، كان تعظيما عظيما من الله سبحانه لابن أم مكتوم ، وإذا كان كذلك فكيف يليق بمثل هذا التعظيم أن يذكره باسم الأعمى مع أن ذكر الإنسان بهذا الوصف يقتضي تحقير شأنه جدا ؟ .

السؤال الثالث : الظاهر أنه عليه الصلاة والسلام كان مأذونا في أن يعامل أصحابه على حسب ما يراه مصلحة ، وأنه عليه الصلاة والسلام كثيرا ما كان يؤدب أصحابه ويزجرهم عن أشياء ، وكيف لا يكون كذلك وهو عليه الصلاة والسلام إنما بعث ليؤدبهم وليعلمهم محاسن الآداب ، وإذا كان كذلك كان ذلك التعبيس داخلا في إذن الله تعالى إياه في تأديب أصحابه ، وإذا كان ذلك مأذونا فيه ، فكيف وقعت المعاتبة عليه ؟ فهذا جملة ما يتعلق بهذا الموضع من الإشكالات ( والجواب ) عن السؤال الأول من وجهين ( الأول ) : أن الأمر وإن كان على ما ذكرتم إلا أن ظاهر الواقعة يوهم تقديم الأغنياء على الفقراء وانكسار قلوب الفقراء ، فلهذا السبب حصلت المعاتبة ، ونظيره قوله تعالى : { ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي } ، ( والوجه الثاني ) : لعل هذا العتاب لم يقع على ما صدر من الرسول عليه الصلاة والسلام من الفعل الظاهر ، بل على ما كان منه في قلبه ، وهو أن قلبه عليه الصلاة والسلام كان قد مال إليهم بسبب قرابتهم وشرفهم وعلو منصبهم ، وكان ينفر طبعه عن الأعمى بسبب عماه وعدم قرابته وقلة شرفه ، فلما وقع التعبيس والتولي لهذه الداعية وقعت المعاتبة ، لا على التأديب بل على التأديب لأجل هذه الداعية ( والجواب ) عن السؤال الثاني أن ذكره بلفظ الأعمى ليس لتحقير شأنه ، بل كأنه قيل : إنه بسبب عماه استحق مزيد الرفق والرأفة ، فكيف يليق بك يا محمد أن تخصه بالغلظة ( والجواب ) عن السؤال الثالث أنه كان مأذونا في تأديب أصحابه لكن ههنا لما أوهم تقديم الأغنياء على الفقراء ، وكان ذلك مما يوهم ترجيح الدنيا على الدين ، فلهذا السبب جاءت هذه المعاتبة .

المسألة الثانية : القائلون بصدور الذنب عن الأنبياء عليهم السلام تمسكوا بهذه الآية وقالوا : لما عاتبه الله في ذلك الفعل ، دل على أن ذلك الفعل كان معصية ، وهذا بعيد فإنا قد بينا أن ذلك كان هو الواجب المتعين لا بحسب هذا الاعتبار الواحد ، وهو أنه يوهم تقديم الأغنياء على الفقراء ، وذلك غير لائق بصلابة الرسول عليه الصلاة والسلام ، وإذا كان كذلك ، كان ذلك جاريا مجرى ترك الاحتياط ، وترك الأفضل ، فلم يكن ذلك ذنبا البتة .

المسألة الثالثة : أجمع المفسرون على أن الذي عبس وتولى ، هو الرسول عليه الصلاة والسلام ، وأجمعوا [ على ] أن الأعمى هو ابن أم مكتوم ، وقرئ عبس بالتشديد للمبالغة ونحوه كلح في كلح ، أن جاءه منصوب بتولى أو بعبس على اختلاف المذهبين في إعمال الأقرب أو الأبعد ومعناه عبس ، لأن جاءه الأعمى ، وأعرض لذلك ، وقرئ أن جاءه بهمزتين ، وبألف بينهما وقف على { عبس وتولى } ثم ابتدأ على معنى ألآن جاءه الأعمى ، والمراد منه الإنكار عليه ، واعلم أن في الأخبار عما فرط من رسول الله ثم الإقبال عليه بالخطاب دليل على زيادة الإنكار ، كمن يشكو إلى الناس جانيا جنى عليه ، ثم يقبل على الجاني إذا حمى في الشكاية مواجها بالتوبيخ وإلزام الحجة .

 
تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{عَبَسَ وَتَوَلَّىٰٓ} (1)

مقدمة السورة:

سورة عبس مكية وآياتها ثنتان وأربعون ، نزلت بعد سورة النجم ، وتسمى أيضا سورة السّفرة . ولهذه السورة جو خاص ، ذلك أنها بُدئت بعتاب النبي الكريم صلى الله عليه وسلم ، من أجل رجل أعمى جاءه يطلب أن يتعلم القرآن فيما كان عند رسول الله عدد من زعماء قريش ، يدعوهم للإسلام ويذكّرهم بأيام الله ، ويحذّرهم بطشه وجبروته ، ويعِدهم أحسن الثواب إن هم أسلموا . وكان شديد الحرص على إسلامهم ، لأنه يعلم أنه سيُسلم خلق كثير إذا هم أسلموا . فلما جاءه عبد الله بن أم مكتوم ( وهو رجل أعمى ) وألحّ بالسؤال أن يعلمه مما علّمه الله ، تضايق منه الرسول الكريم وعَبَسَ في وجهه ، وأعرض عنه ، وشُغل عنه بزعماء قريش .

وبعد العتاب الذي استغرق عشر آيات ، بيّن الله تعالى أن هذا القرآن ذكرى وموعظة لمن كان له عقل وتدبّر ما جاء فيه ، وأنه في صحف مكرّمة عالية القدر والمكانة ، منزهة عن كل نقص ، بأيدي ملائكة كرام بررة جعلهم الله سفراء بينه وبين رسله .

ثم بعد ذلك أخذت السورة تعالج جحود الإنسان وكفره الفاحش لربه ، وتذكره بمصدر وجوده وأصل نشأته من ماء مهين ، ثم كيف سيّره ربه إلى الطريق السويّ ، وعلّمه ما لم يكن يعلم ، ثم مصيره إلى الموت والبعث للحساب .

بعد ذلك يذكّره الله بتوجيهه إلى أمس الأشياء به ، وهو طعامه وشرابه . . كيف ينزل الماء من السماء ، ويُنبت به الحَبّ والفاكهة ، ويجعل الحدائق الجميلة كثيفة الأغصان ، كل ذلك له ولأنعامه التي يستعملها ويقتات بلحومها .

وتأتي الخاتمة بعرض يوم القيامة ، { فإذا جاءت الصاخّة } ونُشر الناس كالفراش المبثوث ، في ذلك اليوم يهرب المرء من أخيه وأمه وأبيه ، وزوجته وبنيه ، ويكون { لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه } ويَشغله .

عبس : قطّب وجهه من ضيق الصدر .

تولّى : أعرض .

نزلت هذه السورةُ الكريمة في عبدِ الله بن أُم مكتوم ابن خالِ خديجة بنتِ خويلد رضي الله عنها ، وكان رجلاً أعمى ، ومن أول الناس إسلاما . وكان من المهاجرين الأولين والمؤذِّنَ الثاني لرسول الله ، وقد استخلفه الرسولُ الكريم على المدينة ، وكان يصلّي بالناس مرارا . وقد جاء هذا الرجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، وعنده جماعة من زعماءِ قريش منهم : عتبة وشَيبة ابنا ربيعة ، وأبو جهلٍ عمرو بن هشام ، والعباسُ بن عبد المطلب ، وأُميةُ بن خلف ، والوليدُ بن المغيرة . وكان النبي الكريم محتفياً بهم يدعوهم إلى الإسلام ويرغّبهم فيه رجاءَ أن يُسلموا ، لأنه يعلم أنهم إذا أسلموا تَبِعَهم خَلْقٌ كثير .

فجاء ابنُ أُم مكتوم وقال : يا رسولَ الله ، أرشِدني ، وعلِّمني مما علمك الله . . وكرر ذلك وهو لا يعلم من عنده . فكره الرسولُ قَطْعَه لكلامه ، وظهر ذلك على وجهه ، إذ عَبَسَ وأعرض عنه .

وقد عاتب الله نبيَّه الكريمَ بأنّ ضَعْفَ ذلك الأعمى وفقره لا ينبغي أن يكون باعثاً على كراهةِ كلامه والإعراضِ عنه ، فإنه حيُّ القلب ذكيُّ الفؤاد ، إذا سمع الحكمةَ وعاها ، فيتطهَّرُ بها من أوضارِ الشِرك .

 
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير للجزائري - أبوبكر الجزائري [إخفاء]  
{عَبَسَ وَتَوَلَّىٰٓ} (1)

{ عبس وتولى }

شرح الكلمات :

{ عبس } : أي النبي صلى الله عليه وسلم بمعنى كلح وجهه وتغيّر .

{ وتولى } : أي أعرض .

المعنى :

قوله تعالى { عبس وتولى أن جاءه الأعمى } هذا عتاب لطيف يعاتب به الله سبحانه وتعالى رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم فالذي عبس بمعنى قطب وجهه وأعرض هو رسول الله صلى الله عليه وسلم والأعمى الذي لأجله عبس رسول الله وأعرض عنه هو عبد الله بن أم مكتوم الأعمى أحد المهاجرين ابن خال خديجة بنت خويلد أم المؤمنين . وسبب هذا العتاب الكريم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في مكة يوما ومعه صناديد قريش عتبة وشيبة ابنا ربيعة وأبو جهل والعباس بن عبد المطلب وأميّة بن خلف يدعوهم إلى الإِسلام مجتهدا معهم يرغبهم ويرهبهم طمعا في إسلامهم فجاء عبد الله بن أم مكتوم ينادي يا رسول الله اقرئني وعلمني مما علمك الله وكرر ذلك مرارا فانزعج لذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فكره رسوله الله صلى الله عليه وسلم قطعه لحديثه مع القوم فعبس وتولى عنه لا يجيبه ، وما إن عاد النبي صلى الله عليه وسلم إلى منزله حتى نزلت هذه الآيات { عبس وتولى } أي قطب وأعرض { أن جاءه الأعمى وما يدريك } أي وما يعلمك أنه { يزكى } بما يطلب من القرآن والسنة أي يريد زكاة نفسه وتطهير روحه بما يتعلمه منك ، أو يذكر فتنفعه الذكرى . أي وما يعلمك لعله بندائه لك وطلبه منك أن يتذكر بما يسمع منك فيتعظ به وتنفعه الذكرى منك .

/ذ1