مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{وَلَوۡ نَزَّلۡنَا عَلَيۡكَ كِتَٰبٗا فِي قِرۡطَاسٖ فَلَمَسُوهُ بِأَيۡدِيهِمۡ لَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِنۡ هَٰذَآ إِلَّا سِحۡرٞ مُّبِينٞ} (7)

قوله تعالى { ولو نزلنا عليك كتابا في قرطاس فلمسوه بأيديهم لقال الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين }

اعلم أن الذين يتمردون عن قبول دعوة الأنبياء طوائف كثيرة ، فالطائفة الأولى الذين بالغوا في حب الدنيا وطلب لذاتها وشهواتها إلى أن استغرقوا فيها واغتنموا وجدانها ، فصار ذلك مانعا لهم عن قبول دعوة الأنبياء ، وهم الذين ذكرهم الله تعالى في الآية المتقدمة وبين أن لذات الدنيا ذاهبة وعذاب الكفر باق ، وليس من العقل تحمل العقاب الدائم لأجل اللذات المنقرضة الخسيسة ، والطائفة الثانية الذين يحملون معجزات الأنبياء عليهم السلام ، على أنها من باب السحر لا من باب المعجزة ، هؤلاء الذين ذكرهم الله تعالى في هذه الآية وهاهنا مسائل :

المسألة الأولى : بين الله تعالى في هذه الآية أن هؤلاء الكفار لو أنهم شاهدوا نزول كتاب من السماء دفعة واحدة عليك يا محمد لم يؤمنوا به ، بل حملوه على أنه سحر ومخرقة ، والمراد من قوله { في قرطاس } أنه لو نزل الكتاب جملة واحدة في صحيفة واحدة ، فرأوه ولمسوه وشاهدوه عيانا لطعنوا فيه وقالوا إنه سحر .

فإن قيل : ظهور الكتاب ونزوله من السماء هل هو من باب المعجزات أم لا ، فإن لم يكن من باب المعجزات لم يكن إنكارهم لدلالته على النبوة منكرا ، ولا يجوز أن يقال : أنه من باب المعجزات لأن الملك يقدر على إنزاله من السماء ، وقبل الإيمان بصدق الأنبياء والرسل لم تكن عصمة الملائكة معلومة ، وقبل الإيمان بالرسل ، لا شك أنا نجوز أن يكون نزول ذلك الكتاب من السماء من قبل بعض الجن والشياطين ، أو من قبل بعض الملائكة الذين لم تثبت عصمتهم ، وإذا كان هذا التجويز قائما فقد خرج نزول الكتاب من السماء عن كونه دليلا على الصدق .

قلنا : ليس المقصود ما ذكرتم ، بل المقصود أنهم إذا رأوه بقوا شاكين فيه ، وقالوا : إنما سكرت أبصارنا ، فإذا لمسوه بأيديهم فقد يقوى الإدراك البصري بالإدراك اللمسي ، وبلغ الغاية في الظهور والقوة ، ثم هؤلاء يبقون شاكين في أن ذلك الذي رأوه ولمسوه هل هو موجود أم لا ، وذلك يدل على أنهم بلغوا في الجهالة إلى حد السفسطة ، فهذا هو المقصود من الآية لا ما ذكرتم والله أعلم .

المسألة الثانية : قال القاضي : دلت هذه الآية على أنه لا يجوز من الله تعالى أن يمنع العبد لطفا . علم أنه لو فعله لآمن عنده لأنه بين أنه إنما لا ينزل هذا الكتاب من حيث إنه لو أنزله لقالوا هذا القول ، ولا يجوز أن يخبر بذلك إلا والمعلوم أنهم لو قبلوه وآمنوا به لأنزله لا محالة ، فثبت بهذا وجوب اللطف ، ولقائل أن يقول : أن قوله لو أنزل الله عليهم هذا الكتاب لقالوا هذا القول لا يدل على أنه تعالى ينزله عليهم ، لو لم يقولوا هذا القول إلا على سبيل دليل الخطاب ، وهو عنده ليس بحجة ، وأيضا فليس كل مما فعله الله وجب عليه ذلك ، وهذه الآية إن دلت فإنما تدل على الوقوع لا على وجوب الوقوع والله أعلم .

 
تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{وَلَوۡ نَزَّلۡنَا عَلَيۡكَ كِتَٰبٗا فِي قِرۡطَاسٖ فَلَمَسُوهُ بِأَيۡدِيهِمۡ لَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِنۡ هَٰذَآ إِلَّا سِحۡرٞ مُّبِينٞ} (7)

الكتاب : الصحيفة المكتوبة ، ومجموعة الصحف في موضوع واحد . القرطاس : الورق الذي يكتب فيه .

اللمس : مسُّ الشيء باليد ، وقد يستعمل بمعنى طلب الشيء ، يقال : لمسه والتمسه وتلمّسه .

السحر : خداع وتمويه يُري ما لا حقيقة له في صورة الحقائق .

بعد أن أرشد سبحانه في الآيات المتقدمة إلى ما دعا إليه الرسولُ الكريم من التوحيد والبعث ، ثم ذكر أن قريشا نزعت إلى التكذيب ، وأنذرهم عاقبة ذلك طالباً إليهم أن يتعظوا من أمم غابرة ، أورد هنا شُبهاتِ أولئك الجاحدين المعاندين على الوحي وبعثة الرسول صلى الله عليه وسلم منها لجوؤهم إلى رمي الحديث بالسحر . وتفسير الآية :

ولو أنْزلنا عليك أيها النبي ، هذا القرآن مكتوبا في ورق ظاهر ، كدليل على رسالتك ، فرأوا بأعينهم وتأكدوا منه بلمسه بأيديهم ، لقالوا : ما هذا الذي رأيناه ولمسناه إلا سحر واضح ظاهر .

وكان كفار قريش وزعماؤهم يتعنّتون كثيراً ويطلبون من الرسول الكريم أشياء للتعجيز ، وكان النبي يعجَب من كفر قومه به وبما أنزل عليه ، رغم وضوح برهانه ، فبيّن الله تعالى أسباب ذلك ، وأن هذا قديم في طباع البشر وأخلاقهم .