قوله تعالى : { ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم وأهلها غافلون }
اعلم أنه تعالى لما بين أنه ما عذب الكفار إلا بعد أن بعث إليهم الأنبياء والرسل بين بهذه الآية أن هذا هو العدل والحق والواجب ، وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى : قال صاحب «الكشاف » : قوله : { ذلك } إشارة إلى ما تقدم من بعثة الرسل إليهم وإنذارهم سوء العاقبة وهو خبر مبتدأ محذوف ، والتقدير : الأمر ذلك .
وأما قوله : { أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم } ففيه وجوه : أحدها : أنه تعليل ، والمعنى : الأمر ما قصصنا عليك لانتفاء كون ربك مهلك القرى بظلم ، وكلمة «أن » ههنا هي التي تنصب الأفعال ، وثانيها : يجوز أن تكون مخففة من الثقيلة ، والمعنى لأنه لم يكن ربك مهلك القرى بظلم والضمير في قوله لأنه ضمير الشأن والحديث والتقدير ، لأن الشأن والحديث لم يكن ربك مهلك القرى بظلم . وثالثها : أن يجعل قوله : { أن لم يكن ربك } بدلا من قوله : { ذلك } كقوله : { وقضينا إليه ذلك الأمر أن دابر هؤلاء مقطوع مصبحين } .
وأما قوله : { بظلم } ففيه وجهان : الأول : أن يكون المعنى ، وما كان ربك مهلك القرى بسبب ظلم أقدموا عليه . والثاني : أن يكون المراد وما كان ربك مهلك القرى ظلما عليهم ، وهو كقوله : { وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون } في سورة هود . فعلى الوجه الأول يكون الظلم فعلا للكفار ، وعلى الثاني يكون عائدا إلى فعل الله تعالى ، والوجه الأول أليق بقولنا ، لأن القول الثاني يوهم أنه تعالى لو أهلكهم قبل بعثة الرسل كان ظالما ، وليس الأمر عندنا كذلك ، لأنه تعالى يحكم ما يشاء ، ويفعل ما يريد ، ولا اعتراض عليه لأحد في شيء من أفعاله . وأما المعتزلة : فهذا القول الثاني مطابق لمذهبهم موافق لمعتقدهم . وأما أصحابنا فمن فسر الآية بهذا الوجه الثاني قال : إنه تعالى لو فعل ذلك لم يكن ظالما لكنه يكون في صورة الظالم فيما بينا ، فوصف بكونه ظالما مجازا ، وتمام الكلام في هذين القولين مذكور في سورة هود عند قوله : { بظلم وأهلها مصلحون } .
وأما قوله : { وأهلها غافلون } فليس المراد من هذه الغفلة أن يتغافل المرء عما يوعظ به ، بل معناها أن لا يبين الله لهم كيفية الحال ، ولا أن يزيل عذرهم وعلتهم .
واعلم أن أصحابنا يتمسكون بهذه الآية في إثبات أنه لا يحصل الوجوب قبل الشرع ، وأن العقل المحض لا يدل على الوجوب البتة . قالوا : لأنها تدل على أنه تعالى لا يعذب أحدا على أمر من الأمور إلا بعد البعثة للرسول . والمعتزلة قالوا : إنها تدل من وجه آخر على أن الوجوب قد يتقرر قبل مجيء الشرع ، لأنه تعالى قال : { أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم وأهلها غافلون } فهذا الظلم إما أن يكون عائدا إلى العبد أو إلى الله تعالى ، فإن كان الأول ، فهذا يدل على إمكان أن يصدر منه الظلم قبل البعثة ، وإنما يكون الفعل ظلما قبل البعثة ، لو كان قبيحا وذنبا قبل بعثة الرسل ، وذلك هو المطلوب ، وإن كان الثاني فذلك يقتضي أن يكون هذا الفعل قبيحا من الله تعالى ، وذلك لا يتم إلا مع الاعتراف بتحسين العقل وتقبيحه .
وعلى ختام المشهد يلتفت السياق بالخطاب إلى رسول الله [ ص ] ومن وراءه من المؤمنين ؛ وإلى الناس أجمعين ؛ ليعقب على هذا الحكم الصادر بجزاء الشياطين من الإنس والجن ؛ وبإحالة هذا الحشد الحاشد إلى النار ؛ وعلى إقرارهم بأن الرسل قد جاءت إليهم ، تقص عليهم آيات الله ، وتنذرهم لقاء يومهم هذا . . ليعقب على هذا المشهد وما كان فيه ، بأن عذاب الله لا ينال أحدا إلا بعد الإنذار ؛ وأن الله لا يأخذ العباد بظلمهم [ أي بشركهم ] إلا بعد أن ينبهوا من غفلتهم ؛ وتقص عليهم الآيات ، وينذرهم المنذرون :
( ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى - بظلم - وأهلها غافلون ) . .
لقد اقتضت رحمة الله بالناس ألا يؤاخذهم على الشرك والكفر حتى يرسل إليهم الرسل ، على الرغم مما أودعه فطرتهم من الاتجاه إلى ربها - فقد تضل هذه الفطر - وعلى الرغم مما أعطاهم من قوة العقل والإدراك -
فالعقل قد يضل تحت ضغط الشهوات - وعلى الرغم مما في كتاب الكون المفتوح من آيات - فقد تتعطل أجهزة الاستقبال كلها في الكيان البشري .
لقد ناط بالرسل والرسالات مهمة استنقاذ الفطرة من الركام لا واستنقاذ العقل من الانحراف ، واستنقاذ البصائر والحواس من الانطماس . وجعل العذاب مرهونا بالتكذيب والكفر بعد البلاغ والإنذار .
وهذه الحقيقة كما أنها تصور رحمة الله بهذا الإنسان وفضله ، كذلك تصور قيمة المدارك البشرية من فطرة وعقل ؛ وتقرر أنها - وحدها - لا تعصم من الضلال ، ولا تهدي إلى يقين ، ولا تصبر على ضغط الشهوات . .
{ ذلك } إشارة إلى إتيان الرسل أو السؤال المفهوم من { أَلَمْ يَأْتِكُمْ } [ الأنعام : 130 ] أو ما قص من أمرهم أعني شهادتهم على أنفسهم بالكفر واستيجاب العذاب ، وهو إما مرفوع على أنه خبر مبتدأ مقدر أي الأمر ذلك أو مبتدأ خبره مقدر أو خبره قوله سبحانه : { أَن لَّمْ يَكُنْ رَّبُّكَ مُهْلِكَ القرى } بحذف اللام على أنَّ ( أَنْ ) مصدرية أو مخففة من أن وضمير الشأن الذي هو اسمها ، وإما منصوب على أنه مفعول به لفعل مقدر كخذ وفعلنا ونحو ذلك ، وجوز أن يكون { إِن لَّمْ } الخ بدلا من اسم الإشارة ، وقوله تعالى : { بِظُلْمٍ } متعلق إما بمهلك أي بسبب ظلم أو بمحذوف وقع حالا من القرى أي متلبسة بظلم أو حالا من { رَبَّكَ } أو من ضمير في { مُهْلِكَ } ، والمراد مهلك أهل القرى إلا أنه تجوز في النسبة أو حذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه ، ولا يأباه قوله تعالى : { وَأَهْلُهَا غافلون } لأن أصله وهم غافلون فلما حذف المضاف أقيم الظاهر مقام ضميره .
واعترض شيخ الإسلام على جعل { بِظُلْمٍ } حالاً من { رَبَّكَ } أو من ضميره بأنه يأباه أن غفلة أهلها مأخوذة في معنى الظلم وحقيقته لا محالة فلا يحسن تقييده بالجملة بعد ، وأورد عليه أنه قد يتصور الظلم مع عدم الغفلة بأن يكون حال التيقظ ومقارنة الإنقياد ، وإن كان المراد ههنا هو الإهلاك حال الغفلة ففائدة التقييد تعيين المراد ولا يخفى حسنه ولا يخفى ما فيه ، واختار قدس سره من احتمالات المشار إليه وأوجه إعراب اسم الإشارة الثالث من كل قال : والمعنى ذلك ثابت لانتفاء كون ربك أو لأن الشأن لم يكن ربك مهلك القرى بسبب أي ظلم فعلوه من أفراد الظلم قبل أن ينهوا عنه وينبهوا على بطلانه برسول وكتاب وإن قضى به بداهة العقول وينذروا عاقبة جناياتهم أي لولا انتفاء كونه تعالى معذباً لهم قبل إرسال الرسل وإنزال الكتب لما أمكن التوبيخ بما ذكر ولما شهدوا على أنفسهم بالكفر واستيجاب العذاب ولا اعتذروا بعدم إتيان الرسل إليهم كما في قوله سبحانه : { وَلَوْ أَنَّا أهلكناهم بِعَذَابٍ مّن قَبْلِهِ لَقَالُواْ رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ ءاياتك مِن قَبْلِ أَن نَّذِلَّ ونخزى } [ طه : 134 ] وإنما علل ما ذكر بانتفاء التعذيب الدنيوي الذي هو إهلاك القرى قبل الإنذار مع أن التقريب في تعليله بانتفاء مطلق التعذيب من غير بعث الرسل أتم على ما نطق به قوله تعالى : { وَمَا كُنَّا مُعَذّبِينَ حتى نَبْعَثَ رَسُولاً } [ الإسرارء : 15 ] على ما اختاره أهل السنة في معناه لبيان كمال نزاهته سبحانه على كلا التعذيبين من غير إنذار على أبلغ وجه وآكده .
ولا يخفى أن لما اختاره وجهاً وجيهاً خلا أن قوله فيما بعد إن جعل ذلك إشارة إلى ارسال الرسل عليهم السلام وإنذارهم وخبر المبتدأ محذوف كما أطبق عليه الجمهور بمعزل عن مقتضى المقام ممنوع وعلى سائر الاحتمالات الخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم بطريق تلوين الخطاب ، والظاهر أن انتفاء الإهلاك قبل الإنذار لا يختص بالإنس بل الجن أيضاً لا يهلكون قبل إنذارهم وإن لم يشع إطلاق أهل القرى عليهم ، وهذا مبني على محض فضل الله تعالى عندنا ، والمعتزلة يقولون : يجب على الله تعالى أن لا يعذب قبل الإنذار وقيام الحجة وبنوه على قاعدة الحسن والقبح العقليين ، وأئمتنا يثبتون ذلك لكنهم لا يجعلونه مناط الحكم كما زعم المعتزلة .
( هذا ومن باب الإشارة ) :{ ذلك أَن لَّمْ يَكُنْ رَّبُّكَ مُهْلِكَ القرى } أي الأبدان أو القلوب { بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غافلون } [ الأنعام : 131 ] بل ينبهم بالعقل وإرشاده إقامة للحجة ولله تعالى الحجة البالغة
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.