مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى ٱلۡإِبِلِ كَيۡفَ خُلِقَتۡ} (17)

قوله تعالى : { أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت }

اعلم أنه تعالى لما حكم بمجيء يوم القيامة وقسم أهل القيامة إلى قسمين الأشقياء والسعداء ووصف أحوال الفريقين وعلم أنه لا سبيل إلى إثبات ذلك إلا بواسطة إثبات الصانع الحكيم ، لا جرم أتبع ذلك بذكر هذه الدلالة فقال : { أفلا ينظرون إلى الإبل } وجه الاستدلال بذلك على صحة المعاد أنها تدل على وجود الصانع الحكيم ، ومتى ثبت ذلك فقد ثبت القول بصحة المعاد . ( أما الأول ) : فلأن الأجسام متساوية في الجسمية فاختصاص كل واحد منها بالوصف الذي لأجله امتاز على الآخر ، لا بد وأن يكون لتخصيص مخصص وإيجاد قادر ، ولما رأينا هذه الأجسام مخلوقة على وجه الإتقان والإحكام علمنا أن ذلك الصانع عالم ، ولما علمنا أن ذلك الصانع لابد وأن يكون مخالفا لخلقه في نعت الحاجة والحدوث والإمكان علمنا أنه غني ، فهذا يدل على أن للعالم صانعا قادرا عالما غنيا فوجب أن يكون في غاية الحكمة ، ثم إنا نرى الناس بعضهم محتاجا إلى البعض ، فإن الإنسان الواحد لا يمكنه القيام بمهمات نفسه ، بل لابد من بلدة يكون كل واحد من أهلها مشغولا بمهم آخر حتى ينتظم من مجموعهم مصلحة كل واحد منهم ، وذلك الانتظام لا يحسن إلا مع التكليف المشتمل على الوعد والوعيد ، ذلك لا يحصل إلا بالبعث والقيامة وخلق الجنة والنار فثبت أن إقامة الدلالة على الصانع الحكيم توجب القول بصحة البعث والقيامة فلهذا السبب ذكر الله دلالة التوحيد في آخر هذه السورة ، فإن قيل : فأي مجانسة بين الإبل والسماء والجبال والأرض ، ثم لم بدأ بذكر الإبل ؟ قلنا فيه وجهان : ( الأول ) : أن جميع المخلوقات متساوية في هذه الدلالة وذكر جميعها غير ممكن لكثرتها وأي واحد منها ذكر دون غيره كان هذا السؤال عائدا ، فوجب الحكم بسقوط هذا السؤال على جميع التقادير ، وأيضا فلعل الحكمة في ذكر هذه الأشياء التي هي غير متناسبة التنبيه على أن هذا الوجه من الاستدلال غير مختص بنوع دون نوع بل هو عام في الكل على ما قال : { وإن من شيء إلا يسبح بحمده } ولو ذكر غيرها لم يكن الأمر كذلك لا جرم ذكر الله تعالى أمورا غير متناسبة بل متباعدة جدا ، تنبيها على أن جميع الأجسام العلوية والسفلية صغيرها وكبيرها حسنها وقبيحها متساوية في الدلالة على الصانع الحكيم ، فهذا وجه حسن معقول وعليه الاعتماد ( الوجه الثاني ) : وهو أن نبين ما في كل واحد من هذه الأشياء من المنافع والخواص الدالة على الحاجة إلى الصانع المدبر ، ثم نبين إنه كيف يجانس بعضها بعضا .

أما المقام الأول : فنقول الإبل له خواص منها أنه تعالى جعل الحيوان الذي يقتنى أصنافا شتى فتارة يقتنى ليؤكل لحمه وتارة ليشرب لبنه وتارة ليحمل الإنسان في الأسفار وتارة لينقل أمتعة الإنسان من بلد إلى بلد وتارة ليكون له به زينة وجمال وهذه المنافع بأسرها حاصلة في الإبل ، وقد أبان الله عز وجل عن ذلك بقوله : { أو لم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاما فهم لها مالكون وذللناها لهم فمنها ركوبهم ومنها يأكلون } قال : { والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس } وإن شيئا من سائر الحيوانات لا يجتمع فيه هذه الخصال فكان اجتماع هذه الخصال فيه من العجائب ( وثانيها ) : أنه في كل واحد من هذه الخصال أفضل من الحيوان الذي لا يوجد فيه إلا تلك الخصلة لأنها إن جعلت حلوبة سقت فأروت الكثير ، وإن جعلت أكولة أطعمت وأشبعت الكثير ، وإن جعلت ركوبة أمكن أن يقطع بها من المسافات المديدة ما لا يمكن قطعه بحيوان آخر ، وذلك لما ركب فيها من قوة احتمال المداومة على السير والصبر على العطش والاجتزاء من العلوفات بما لا يجتزئ حيوان آخر ، وإن جعلت حملة استغلت بحمل الأحمال الثقيلة التي لا يستقل بها سواها ، ومنها أن هذا الحيوان كان أعظم الحيوانات وقعا في قلب العرب ولذلك فإنهم جعلوا دية قتل الإنسان إبلا ، وكان الواحد من ملوكهم إذا أراد المبالغة في إعطاء الشاعر الذي جاءه من المكان البعيد أعطاه مائة بعير ، لأن امتلاء العين منه أشد من امتلاء العين من غيره ، ولهذا قال تعالى : { ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون } ومنها أني كنت مع جماعة في مفازة فضللنا الطريق فقدموا جملا وتبعوه فكان ذلك الجمل ينعطف من تل إلى تل ومن جانب إلى جانب والجميع كانوا يتبعونه حتى وصل إلى الطريق بعد زمان طويل فتعجبنا من قوة تخيل ذلك بالحيوان أنه بالمرة الواحدة كيف انحفظت في خياله صورة تلك المعاطف حتى أن الذين عجز جمع من العقلاء إلى الاهتداء إليه فإن ذلك الحيوان اهتدى إليه ، ومنها أنها مع كونها في غاية القوة على العمل مباينة لغيرها في الانقياد والطاعة لأضعف الحيوانات كالصبي الصغير ، ومبانية لغيرها أيضا في أنها يحمل عليها وهي باركة ثم تقوم ، فهذه الصفات الكثيرة الموجودة فيها توجب على العاقل أن ينظر في خلقتها وتركيبها ويستدل بذلك على وجود الصانع الحكيم سبحانه ، ثم إن العرب من أعرف الناس بأحوال الإبل في صحتها وسقمها ومنافعها ومضارها فلهذه الأسباب حسن من الحكيم تعالى أن يأمر بالتأمل في خلقتها .

 
في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى ٱلۡإِبِلِ كَيۡفَ خُلِقَتۡ} (17)

وتنتهي هذه الجولة في العالم الآخر ، فيؤوب منها إلى هذا الوجود الظاهر . الحاضر . الموحي بقدرة القادر وتدبير المدبر ، وتميز الصنعة ، وتفرد الطابع . الدال على أن وراء التدبير والتقدير أمرا بعد هذه الحياة ، وشأنا غير شأن الأرض . وخاتمة غير خاتمة الموت :

( أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت ، وإلى السماء كيف رفعت ، وإلى الجبال كيف نصبت ، وإلى الأرض كيف سطحت ? ) . .

وتجمع هذه الآيات الأربعة القصار ، أطراف بيئة العربي المخاطب بهذا القرآن أول مرة . كما تضم أطراف الخلائق البارزة في الكون كله . حين تتضمن السماء والأرض والجبال والجمال [ ممثلة لسائر الحيوان ] على مزية خاصة بالإبل في خلقها بصفة عامة وفي قيمتها للعربي بصفة خاصة .

إن هذه المشاهد معروضة لنظر الإنسان حيثما كان . . السماء والأرض والجبال والحيوان . . وأيا كان حظ الإنسان من العلم والحضارة فهذه المشاهد داخلة في عالمه وإدراكه . موحية له بما وراءها حين يوجه نظره وقلبه إلى دلالتها .

والمعجزة كامنة في كل منها . وصنعة الخالق فيها معلمة لا نظير لها . وهي وحدها كافية لأن توحي بحقيقة العقيدة الأولى . ومن ثم يوجه القرآن الناس كافة إليها :

( أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت ? ) . . والإبل حيوان العربي الأول . عليها يسافر ويحمل . ومنها يشرب ويأكل . ومن أوبارها وجلودها يلبس وينزل . فهي مورده الأول للحياة . ثم إن لها خصائص تفردها من بين الحيوان . فهي على قوتها وضخامتها وضلاعة تكوينها ذلول يقودها الصغير فتنقاد ، وهي على عظم نفعها وخدمتها قليلة التكاليف . مرعاها ميسر ، وكلفتها ضئيلة ، وهي أصبر الحيوان المستأنس على الجوع والعطش والكدح وسوء الأحوال . . ثم إن لهيئتها مزية في تناسق المشهد الطبيعي المعروض كما سيجيء . .

لهذا كله يوجه القرآن أنظار المخاطبين إلى تدبر خلق الإبل ؛ وهي بين أيديهم ، لا تحتاج منهم إلى نقلة ولا علم جديد . . ( أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت ? ) . . أفلا ينظرون إلى خلقتها وتكوينها ? ثم يتدبرون : كيف خلقت على هذا النحو المناسب لوظيفتها ، المحقق لغاية خلقها ، المتناسق مع بيئتها ووظيفتها جميعا ! إنهم لم يخلقوها . وهي لم تخلق نفسها ، فلا يبقى إلا أن تكون من إبداع المبدع المتفرد بصنعته ، التي تدل عليه ، وتقطع بوجوده ؛ كما تشي بتدبيره وتقديره .

 
تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى ٱلۡإِبِلِ كَيۡفَ خُلِقَتۡ} (17)

الإبل : جمع لا واحد له من لفظه مفردها : بعير .

وبعد أن بين الله تعالى أحوال الآخرة وما فيها من نعيمٍ للمؤمنين وشقاءٍ للجاحدين يذكّر الناسَ هنا لينظروا في هذا الوجود الظاهر ، ويعتبروا بقدرة القادر وتدبير المدبّر فقال :

{ أَفَلاَ يَنظُرُونَ إِلَى الإبل كَيْفَ خُلِقَتْ } .

إن هذه المشاهد معروفة لنظر الإنسان حيثما كان : الحيوان والسماء والأرض والجبال . وأيّاً ما كان حظ الإنسان من العلم والحضارة فهذه مشاهد داخلة في عالَمه وإدراكه . ويذكّرنا الله تعالى بأن ننظر ونعتبرَ بهذه القدرة الخارقة والتدبير المحكَم .

فالجمل حيوانٌ عجيب ونفعه كبير جدا ، عليه يسافر الإنسان ويحمل أثقاله . ومن لبنِ الناقة يشرب ، ويأكل من لحومها ، ومن أوبار الإبل وجلودها يلبس ويتّخذ المأوى . فقد كانت الجِمالُ ولا تزال في كثيرٍ من بقاع الأرض موردَ الحياة الأول للإنسان ومن أحسن المواصلات ، حتى سُميت سفنَ الصحراء . وهي قليلة التكاليف وعلى قوّتها وضخامتها يقودُها الصغير فتنقاد . ولهيئتها مزية وفي تكوينها عَجَب . فعينا الجمل ترتفعان فوق رأسه ، وترتدّان إلى الخلف . ولهما طبقتان من الأهداب تقيانهما الرمالَ والقذَى . وكذلك المِنخَران والأُذنان يكتنفها الشعر للغرضِ نفسِه . فإذا ما هبّت العواصف الرملية ، انقفل المِنخران وانثنت الأُذنان نحو الجسم . والإِبلُ أصبرُ الحيوان على الجوع والعطش والكدح ، ومزاياها كثيرة لا يتسع المقام لبسْطِها . وما زال العلماء يجدون في الجمل كلّما بحثوا مصداقاً لِحَضِّ الله تعالى لهم على النظر في خَلْقه المعجز .