مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَكُمۡ خَلَـٰٓئِفَ فِي ٱلۡأَرۡضِۚ فَمَن كَفَرَ فَعَلَيۡهِ كُفۡرُهُۥۖ وَلَا يَزِيدُ ٱلۡكَٰفِرِينَ كُفۡرُهُمۡ عِندَ رَبِّهِمۡ إِلَّا مَقۡتٗاۖ وَلَا يَزِيدُ ٱلۡكَٰفِرِينَ كُفۡرُهُمۡ إِلَّا خَسَارٗا} (39)

ثم قال تعالى : { هو الذي جعلكم خلائف في الأرض } .

تقريرا لقطع حجتهم فإنهم لما قالوا : { ربنا أخرجنا نعمل صالحا } وقال تعالى : { أولم نعمركم ما يتذكر } إشارة إلى أن التمكين والإمهال مدة يمكن فيها المعرفة قد حصل وما آمنتم وزاد عليه بقوله : { وجاءكم النذير } أي آتيناكم عقولا ، وأرسلنا إليكم من يؤيد المعقول بالدليل المنقول زاد على ذلك بقوله تعالى : { هو الذي جعلكم خلائف في الأرض } أي نبهكم بمن مضى وحال من انقضى فإنكم لو لم يحصل لكم علم بأن من كذب الرسل أهلك لكان عنادكم أخفى وفسادكم أخف ، لكن أمهلتم وعمرتم وأمرتم على لسان الرسل بما أمرتم وجعلتم خلائف في الأرض ، أي خليفة بعد خليفة تعلمون حال الماضين وتصبحون بحالهم راضين { فمن كفر } بعد هذا كله { فعليه كفره ولا يزيد الكافرين كفرهم عند ربهم إلا مقتا } لأن الكافر السابق كان ممقوتا كالعبد الذي لا يخدم سيده واللاحق الذي أنذره الرسول ولم ينتبه أمقت كالعبد الذي ينصحه الناصح ويأمره بخدمة سيده ويعده ويوعده ولا ينفعه النصح ولا يسعده والتالي لهم الذي رأى عذاب من تقدم ولم يخش عذابه أمقت الكل .

ثم قال تعالى : { ولا يزيد الكافرين كفرهم إلا خسارا } أي الكفر لا ينفع عند الله حيث لا يزيد إلا المقت ، ولا ينفعهم في أنفسهم حيث لا يفيدهم إلا الخسارة ، فإن العمر كالرأس مال من اشترى به رضا الله ربح ، ومن اشترى به سخطه خسر .

 
في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَكُمۡ خَلَـٰٓئِفَ فِي ٱلۡأَرۡضِۚ فَمَن كَفَرَ فَعَلَيۡهِ كُفۡرُهُۥۖ وَلَا يَزِيدُ ٱلۡكَٰفِرِينَ كُفۡرُهُمۡ عِندَ رَبِّهِمۡ إِلَّا مَقۡتٗاۖ وَلَا يَزِيدُ ٱلۡكَٰفِرِينَ كُفۡرُهُمۡ إِلَّا خَسَارٗا} (39)

39

( هو الذي جعلكم خلائف في الأرض . فمن كفر فعليه كفره . ولا يزيد الكافرين كفرهم عند ربهم إلا مقتا . ولا يزيد الكافرين كفرهم إلا خساراً ) .

إن تتابع الأجيال في الأرض ، وذهاب جيل ومجيء جيل ، ووراثة هذا لذاك ، وانتهاء دولة وقيام دولة ، وانطفاء شعلة واتقاد شعلة . وهذا الدثور والظهور المتواليان على مر الدهور . . إن التفكير في هذه الحركة الدائبة خليق أن يجد للقلب عبرة وعظة ، وأن يشعر الحاضرين أنهم سيكونون بعد حين غابرين ، يتأمل الآتون بعدهم آثارهم ويتذاكرون أخبارهم ، كما هم يتأملون آثار من كانوا قبلهم ويتذاكرون أخبارهم . وجدير بأن يوقظ الغافلين إلى اليد التي تدير الأعمار ، وتقلب الصولجان ، وتديل الدول ، وتورث الملك ، وتجعل من الجيل خليفة لجيل . وكل شيء يمضي وينتهي ويزول ، والله وحده هو الباقي الدائم الذي لا يزول ولا يحول .

ومن كان شأنه أن ينتهي ويمضي ، فلا يخلد ولا يبقى . من كان شأنه أنه سائح في رحلة ذات أجل ؛ وأن يعقبه من بعده ليرى ماذا ترك وماذا عمل ، وأن يصير في النهاية إلى من يحاسبه على ما قال وما فعل . من كان هذا شأنه جدير بأن يحسن ثواءه القليل ، ويترك وراءه الذكر الجميل ، ويقدم بين يديه ما ينفعه في مثواه الأخير .

هذه بعض الخواطر التي تساور الخاطر ، حين يوضع أمامه مشهد الدثور والظهور ، والطلوع والأفول ، والدول الدائلة ، والحياة الزائلة ، والوراثة الدائبة جيلاً بعد جيل :

( هو الذي جعلكم خلائف في الأرض ) . .

وفي ظل هذا المشهد المؤثر المتتابع المناظر ، يذكرهم بفردية التبعة ، فلا يحمل أحد عن أحد شيئاً ، ولا يدفع أحد عن أحد شيئاً ؛ ويشير إلى ما هم فيه من إعراض وكفر وضلال ، وعاقبته الخاسرة في نهاية المطاف :

( فمن كفر فعليه كفره . ولا يزيد الكافرين كفرهم عند ربهم إلا مقتاً . ولا يزيد الكافرين كفرهم إلا خساراً ) .

والمقت أشد البغض . ومن يمقته ربه فأي خسران ينتظره ? وهذا المقت في ذاته خسران يفوق كل خسران ? !

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَكُمۡ خَلَـٰٓئِفَ فِي ٱلۡأَرۡضِۚ فَمَن كَفَرَ فَعَلَيۡهِ كُفۡرُهُۥۖ وَلَا يَزِيدُ ٱلۡكَٰفِرِينَ كُفۡرُهُمۡ عِندَ رَبِّهِمۡ إِلَّا مَقۡتٗاۖ وَلَا يَزِيدُ ٱلۡكَٰفِرِينَ كُفۡرُهُمۡ إِلَّا خَسَارٗا} (39)

{ هو الذي جعلكم خلائف في الأرض فمن كفر فعليه كفره ولا يزيد الكافرين كفرهم عند ربهم إلا مقتا ولا يزيد الكافرين كفرهم إلا خسارا( 39 ) قل أرأيتم شركاءكم الذي تدعون من دون الله أروني ماذا خلقوا من الأرض أم لهم شرك في السموات أم آتيناهم كتابا فهم على بينات منه بل إن يعد الظالمون بعضهم بعضا إلا غرورا( 40 ) إن الله يمسك السموات والأرض أن تزولا ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده إنه كان حليما غفورا( 41 ) }

المفردات :

خلائف : جمع خليفة وهو مطرد في فعلية أي جعلكم خلفا بعد خلف وقرنا بعد قرن ترثون ما بأيديهم من مال وجاه والخلف التالي للمتقدم .

مقتا : بغضا وغضبا .

خسارا : هلاكا وضلالا .

التفسير :

{ هو الذي جعلكم خلائف في الأرض فمن كفر فعليه كفره ولا يزيد الكافرين كفرهم عند ربهم إلا مقتا ولا يزيد الكافرين كفرهم إلا خسارا }

جعل الله الناس خلائف يخلف بعضها بعضا فأمة تقنى وأمة تقوم وجبل يفنى وجبل يأتي بعده ، وأمة تعتز وتقوى وأمة تذل وتهوى وبيد الله مقاليد السموات والأرض يغير ولا يتغير يحيي ويميت ويعز ويذل ويغني ويفقر وهو على كل شيء قدير ، ومن واجب المخلوق الفاني أن يتأمل فيمن فني قبله وفيمن سيأتي بعده ، وأن يتفكر في الأمم التي بادت كعاد وثمود وأن الله قادر على إهلاك الظالمين في كل وقت وحين وأن المسئولية فردية والتبعة فردية .

{ فمن كفر فعليه كفره . . . . } فمن جحد الخالق وأهمل العقل والتدبر والتأمل فيستحمل تبعة كفره وعقاب عمله .

{ ولا يزيد الكافرين كفرهم عند ربهم إلا مقتا ولا يزيد الكافرين كفرهم إلا خسارا }

أي : إن عاقبة الكفر هي المقت الشديد والغضب من جبار السموات وإصرار الكافرين على الكفر لا يزيدهم إلا هلاكا وبوارا وخسارا في الآخرة بدخول النار والحرمان من الجنة .