مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{۞وَمَآ أَنزَلۡنَا عَلَىٰ قَوۡمِهِۦ مِنۢ بَعۡدِهِۦ مِن جُندٖ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَمَا كُنَّا مُنزِلِينَ} (28)

ثم إنه تعالى لما بين حاله بين حال المتخلفين له من قومه بقوله تعالى : { وما أنزلنا على قومه من بعده من جند من السماء }

إشارة إلى هلاكهم بعده سريعا على أسهل وجه فإنه لم يحتج إلى إرسال جند يهلكهم ، وفيه مسائل :

المسألة الأولى : قال ههنا : { وما أنزلنا } بإسناد الفعل إلى النفس ، وقال في بيان حال المؤمن { قيل ادخل الجنة } بإسناد القول إلى غير مذكور ، وذلك لأن العذاب من باب الهيبة فقال بلفظ التعظيم ، وأما في : { ادخل الجنة } فقال ( قيل ) ليكون هو كالمهنأ بقول الملائكة حيث يقول له كل ملك وكل صالح يراه ادخل الجنة خالدا فيها ، وكثيرا ما ورد في القرآن قوله تعالى : { وقيل ادخلوا } إشارة إلى أن الدخول يكون دخولا بإكرام كما يدخل العريس البيت المزين على رؤوس الأشهاد يهنئه كل أحد .

المسألة الثانية : لم أضاف القوم إليه مع أن الرسول أولى بكون الجمع قوما لهم فإن الواحد يكون له قوم هم آله وأصحابه والرسول لكونه مرسلا يكون جميع الخلق وجميع من أرسل إليهم قوما له ؟ نقول لوجهين أحدهما : ليبين الفرق بين اثنين هما من قبيلة واحدة أكرم أحدهما غاية الإكرام بسبب الإيمان وأهين الآخر غاية الإهانة بسبب الكفر ، وهذا من قوم أولئك في النسب وثانيهما : أن العذاب كان مختصا بأقارب ذلك ، لأن غيرهم من قوم الرسل آمنوا بهم فلم يصبهم العذاب .

المسألة الثالثة : خصص عدم الإنزال بما بعده والله تعالى لم ينزل عليهم جندا قبله أيضا فما فائدة التخصيص ؟ نقول استحقاقهم العذاب كان بعده حيث أصروا واستكبروا فبين حال الهلاك أنه لم يكن بجند .

المسألة الرابعة : قال : { من السماء } وهو تعالى لم ينزل عليهم ولا أرسل إليهم جندا من الأرض فما فائدة التقييد ؟ نقول الجواب عنه من وجهين أحدهما : أن يكون المراد وما أنزلنا عليهم جندا بأمر من السماء فيكون للعموم وثانيهما : أن العذاب نزل عليهم من السماء فبين أن النازل لم يكن جندا لهم عظمة وإنما كان ذلك بصيحة أخمدت نارهم وخربت ديارهم .

المسألة الخامسة : { وما كنا منزلين } أية فائدة فيه مع أن قوله : { وما أنزلنا } يستلزم أنه لا يكون من المنزلين ؟ نقول قوله : { وما كنا } أي ما كان ينبغي لنا أن ننزل لأن الأمر كان يتم بدون ذلك فما أنزلنا وما كنا محتاجين إلى إنزال ، أو نقول : { وما أنزلنا . . . وما كنا منزلين } في مثل تلك الواقعة جندا في غير تلك الواقعة ، فإن قيل فكيف أنزل الله جنودا في يوم بدر وفي غير ذلك حيث قال : { وأنزل جنودا لم تروها ؟ نقول ذلك تعظيما لمحمد صلى الله عليه وسلم وإلا كان تحريك ريشة من جناح ملك كافيا في استئصالهم وما كان رسل عيسى عليه السلام في درجة محمد صلى الله عليه وسلم .

 
في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{۞وَمَآ أَنزَلۡنَا عَلَىٰ قَوۡمِهِۦ مِنۢ بَعۡدِهِۦ مِن جُندٖ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَمَا كُنَّا مُنزِلِينَ} (28)

هذا كان جزاء الإيمان . فأما الطغيان فكان أهون على الله من أن يرسل عليه الملائكة لتدمره . فهو ضعيف ضعيف :

( وما أنزلنا على قومه من بعده من جند من السماء . وما كنا منزلين . إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم خامدون ) . .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{۞وَمَآ أَنزَلۡنَا عَلَىٰ قَوۡمِهِۦ مِنۢ بَعۡدِهِۦ مِن جُندٖ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَمَا كُنَّا مُنزِلِينَ} (28)

تعذيب مكذّبي الرسل

بسم الله الرحمن الرحيم

{ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ ( 28 ) إِنْ كَانَتْ إِلا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ ( 29 ) يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ( 30 ) أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ ( 31 ) وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ ( 32 ) }

التفسير :

28 { وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ } .

أفادت الآيات السابقة أن أصحاب القرية قد اعتدوا على هذا الرجل المؤمن ، الذي جاء يسعى من آخر المدينة لنصرة المرسلين ، وقدم لقومه أدلة عقلية ليؤمنوا بالله ، لكنهم كذبوا هذا الداعية وقتلوه ، فأدخله الله الجنة ، وتمنى لقومه الهداية والإيمان ، وهنا يخبر القرآن الكريم أن الله لم يعتب على قوم هذا المؤمن ، ولم ينزل عليهم وحيّا بعد ذلك ، فقد أرسل إليهم الرسل ، وأنزل الوحي على هؤلاء الرسل ، فكذَّبهم أصحاب القرية ، وقتلوا الرجل المؤمن الذي أخلص لهم النصيحة ، وكان في هذا ما يكفي من البلاغ والإنذار ، فلم ينزل عليهم من السماء وحي ولا عتاب ، بل نزل العذاب والهلاك .

ويفيد بعض المفسرين : أن الكفار كانوا يستغربون أن يكون الرسول بشرا ، ويقولون : { لولا أنزل إليه ملك . . . }[ الفرقان : 7 ] .

فأفاد القرآن أنه لم ينزل ملك كما طلب المشركون ، وما ينبغي أن يكون الرسول ملكا ، بل الحكمة تقتضي أن يكون الرسول إلى البشر بشرا مثلهم .

وقال بعض المفسرين : ما أنزلنا لعذابهم جنود السماء ، كما حدث في غزوتي بدر وحنين مع محمد صلى الله عليه وسلم ، بل كانوا أهون من ذلك ، حيث أخذتهم صيحة ، خرجت معها أرواحهم ، فأصبحوا جثثا هامدة ، والله تعالى له حكمة في إهلاك بعض الناس بالصيحة ، أو الخسف ، أو الغرق ، أو غير ذلك

قال تعالى : { فَكُلا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ( 40 ) } [ العنكبوت : 40 ] .

قال ابن كثير في تفسير الآية :

{ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ } .

يخبر تعالى أنه انتقم من قومه بعد قتلهم إياه ، غضبّا منه تعالى عليهم ، لأنهم كذّبوا رسله ، وقتلوا وليّه ، ويذكر عز وجل أنه ما أنزل عليهم جندا من السماء ، وما احتاج في إهلاكهم إلى إنزال جند من الملائكة عليهم ، بل الأمر كان أيسر من ذلك .

قال ابن مسعود : ما كاثرناهم بالجموع ، الأمر كان أيسر علينا من ذلك .

{ إِنْ كَانَتْ إِلا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ } .

فأهلك الله تعالى ذلك الملك ، وأهلك أهل أنطاكية فبادوا على وجه الأرض ، فلم يبق منهم باقية .

وقيل :

{ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ . . . }

أي : من رسالة أخرى إليهم ، قال قتادة : فلا والله ما عاتب الله قومه بعد قتله 11 .