مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{وَمَا يَفۡعَلُواْ مِنۡ خَيۡرٖ فَلَن يُكۡفَرُوهُۗ وَٱللَّهُ عَلِيمُۢ بِٱلۡمُتَّقِينَ} (115)

ثم إنه تعالى لما ذكر هذه الصفات الثمانية قال : { وما يفعلوا من خير فلن يكفروه والله عليم بالمتقين } وفيه مسائل :

المسألة الأولى : قرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم { وما يفعلوا من خير فلن يكفروه } بالياء على المغايبة ، لأن الكلام متصل بما قبله من ذكر مؤمني أهل الكتاب ، يتلون ويسجدون ويؤمنون ويأمرون وينهون ويسارعون ، ولن يضيع لهم ما يعلمون ، والمقصود أن جهال اليهود لما قالوا لعبد الله بن سلام إنكم خسرتم بسبب هذا الإيمان ، قال تعالى بل فازوا بالدرجات العظمى ، فكان المقصود تعظيمهم ليزول عن قلبهم أثر كلام أولئك الجهال ، ثم هذا وإن كان بحسب اللفظ يرجع إلى كل ما تقدم ذكره من مؤمني أهل الكتاب ، فإن سائر الخلق يدخلون فيه نظرا إلى العلة .

وأما الباقون فإنهم قرؤوا بالتاء على سبيل المخاطبة فهو ابتداء خطاب لجميع المؤمنين على معنى أن أفعال مؤمني أهل الكتاب ذكرت ، ثم قال : وما تفعلوا من خير معاشر المؤمنين الذين من جملتكم هؤلاء ، فلن تكفروه ، والفائدة أن يكون حكم هذه الآية عاما بحسب اللفظ في حق جميع المكلفين ، ومما يؤكد ذلك أن نظائر هذه الآية جاءت مخاطبة لجميع الخلائق من غير تخصيص بقوم دون قوم كقوله { وما تفعلوا من خير يعلمه الله } [ البقرة : 197 ] { وما تفعلوا من خير يوف إليكم } { وما تفعلوا من خير تجدوه عند الله } وأما أبو عمرو فالمنقول عنه أنه كان يقرأ هذه الآية بالقراءتين .

المسألة الثانية : { فلن تكفروه } أي لن تمنعوا ثوابه وجزاءه وإنما سمي منع الجزاء كفر لوجهين الأول : أنه تعالى سمى إيصال الثواب شكرا قال الله تعالى : { فإن الله شاكر عليم } [ البقرة : 158 ] وقال : { فأولئك كان سعيهم مشكورا } [ الإسراء : 19 ] فلما سمى إيصال الجزاء شكرا سمى منعه كفرا والثاني : أن الكفر في اللغة هو الستر فسمي منع الجزاء كفرا ، لأنه بمنزلة الجحد والستر .

فإن قيل : لم قال : { فلن تكفروه } فعداه إلى مفعولين مع أن شكر وكفر لا يتعديان إلا إلى واحد يقال شكر النعمة وكفرها .

قلنا : لأنا بينا أن معنى الكفر ههنا هو المنع والحرمان ، فكان كأنه قال : فلن تحرموه ، ولن تمنعوا جزاءه .

المسألة الثالثة : احتج القائلون بالموازنة من الذاهبين إلى الإحباط بهذه الآية فقال : صريح هذه الآية يدل على أنه لا بد من وصول أثر فعل العبد إليه ، فلو انحبط ولم ينحبط من المحبط بمقداره شيء لبطل مقتضى هذه الآية ، ونظير هذه الآية قوله تعالى : { فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره } [ الزلزلة : 7 ، 8 ] .

ثم قال : { والله عليم بالمتقين } والمعنى أنه تعالى لما أخبر عن عدم الحرمان والجزاء أقام ما يجري مجرى الدليل عليه وهو أن عدم إيصال الثواب والجزاء إما أن يكون للسهو والنسيان وذلك محال في حقه لأنه عليم بكل المعلومات ، وإما أن يكون للعجز والبخل والحاجة وذلك محال لأنه إله جميع المحدثات ، فاسم الله تعالى يدل على عدم العجز والبخل والحاجة ، وقوله { عليم } يدل على عدم الجهل ، وإذا انتفت هذه الصفات امتنع المنع من الجزاء ، لأن منع الحق لا بد وأن يكون لأجل هذه الأمور والله أعلم ، إنما قال : { عليم بالمتقين } مع أنه عالم بالكل بشارة للمتقين بجزيل الثواب ودلالة على أنه لا يفوز عنده إلا أهل التقوى .

 
في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَمَا يَفۡعَلُواْ مِنۡ خَيۡرٖ فَلَن يُكۡفَرُوهُۗ وَٱللَّهُ عَلِيمُۢ بِٱلۡمُتَّقِينَ} (115)

يتألف هذا الجزء من بقية سورة آل عمران ، ومن أوائل سورة النساء ، إلى قوله تعالى : ( والمحصنات من النساء . . . ) .

وهذه البقية من سورة آل عمران تتألف من أربعة مقاطع رئيسية ، تكمل خط سير السورة ، الذي أفضنا في الحديث عنه في مطلعها - في الجزء الثالث - بما لا مجال لإعادته هنا ، فيرجع إليه هناك . .

93

( كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل - إلا ما حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة - قل : فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين . فمن افترى على الله الكذب من بعد ذلك فأولئك هم الظالمون ) .

لقد كان اليهود يتصيدون كل حجة ، وكل شبهة ، وكل حيلة ، لينفذوا منها إلى الطعن في صحة الرسالة المحمدية ، وإلى بلبلة الأفكار وإشاعة الاضطراب في العقول والقلوب . . فلما قال القرآن : إنه مصدق لما في التوراة برزوا يقولون : فما بال القرآن يحلل من الأطعمة ما حرم على بني إسرائيل ؟ وتذكر الروايات أنهم ذكروا بالذات لحوم الإبل وألبانها . . وهي محرمة على بني إسرائيل . وهناك محرمات أخرى كذلك أحلها الله للمسلمين .

وهنا يردهم القرآن إلى الحقيقة التاريخية التي يتجاهلونها للتشكيك في صحة ما جاء في القرآن من أنه مصدق للتوراة ، وأنه مع هذا أحل للمسلمين بعض ما كان محرما على بني إسرائيل . . هذه الحقيقة هي أن كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل - إلا ما حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة - وإسرائيل هو يعقوب - عليه السلام - وتقول الروايات إنه مرض مرضا شديدا ، فنذر لله لئن عافاه ليمتنعن - تطوعا - عن لحوم الإبل وألبانها وكانت أحب شيء إلى نفسه . فقبل الله منه نذره . وجرت سنة بني إسرائيل على اتباع أبيهم في تحريم ما حرم . . كذلك حرم الله على بني إسرائيل مطاعم أخرى عقوبة لهم على معصيات ارتكبوها . وأشير إلى هذه المحرمات في آية " الأنعام " : ( وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر ، ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما إلا ما حملت ظهورهما أو الحوايا أو ما اختلط بعظم ، ذلك جزيناهم ببغيهم وإنا لصادقون ) . .

وكانت قبل هذا التحريم حلالا لبني إسرائيل .

يردهم الله سبحانه إلى هذه الحقيقة ، ليبين أن الأصل في هذه المطاعم هو الحل ، وأنها إنما حرمت عليهم لملابسات خاصة بهم . فإذا أحلها للمسلمين فهذا هو الأصل الذي لا يثير الاعتراض ، ولا الشك في صحة هذا القرآن ، وهذه الشريعة الإلهية الأخيرة .

ويتحداهم أن يرجعوا إلى التوراة ، وأن يأتوا بها ليقرأوها ، وسيجدون فيها أن أسباب التحريم خاصة بهم ، وليست عامة .

( قل : فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين ) . .

وهذا الوعد الصادق لهم أنهم لن يبخسوا حقا ، ولن يكفروا أجرا . مع الإشارة إلى أن الله - سبحانه - علم أنهم من المتقين . .

وهي صورة ترفع أمام الراغبين في هذه الشهادة ، وفي هذا الوعد ، ليحققها في ذات نفسه كل من يشتاق إلى نورها الوضيء في أفقها المنير .