مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{فَإِنِ ٱسۡتَكۡبَرُواْ فَٱلَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُۥ بِٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِ وَهُمۡ لَا يَسۡـَٔمُونَ۩} (38)

ثم إنه تعالى لما أمر بالسجود قال بعده { فإن استكبروا فالذين عند ربك يسبحون له بالليل والنهار وهم لا يسأمون } وفيه سؤالات :

السؤال الأول : إن الذين يسجدون للشمس والقمر يقولون نحن أقل وأذل من أن يحصل لنا أهلية عبودية الله تعالى ، ولكنا عبيد للشمس وهما عبدان لله ، وإذا كان قول هؤلاء هكذا ، فكيف يليق أن يقال إنهم استكبروا عن السجود لله ؟ والجواب : ليس المراد من لفظ الاستكبار ما ذكرتم ، بل المراد فإن استكبروا عن قبول قولك يا محمد في النهي عن السجود للشمس والقمر .

السؤال الثاني : أن المشبهة تمسكوا بقوله { فالذين عند ربك } في إثبات المكان والجهة لله تعالى والجواب : أنه يقال عند الملك من الجند كذا وكذا ، ولا يراد به قرب المكان . فكذا هاهنا . ويدل عليه قوله «أنا عند ظن عبدي بي ، وأنا عند المنكسرة قلوبهم لأجلي ، في مقعد صدق عند مليك مقتدر » ويقال عند الشافعي رضي الله عنه إن المسلم لا يقتل بالذمي .

السؤال الثالث : هل تدل هذه الآية على أن الملك أفضل من البشر ؟ الجواب : نعم ، لأنه إنما يستدل بحال الأعلى على حال الأدون ، فيقال هؤلاء الأقوام إن استكبروا عن طاعة فلان فالأكابر يخدمونه ويعترفون بتقدمه ، فثبت أن هذا النوع من الاستدلال إنما يحسن بحال الأعلى على حال الأدون .

السؤال الرابع : قال هاهنا في صفة الملائكة { يسبحون له بالليل والنهار } فهذا يدل على أنهم مواظبون على التسبيح ، لا ينفكون عنه لحظة واحدة ، واشتغالهم بهذا العمل على سبيل الدوام يمنعهم من الاشتغال بسائر الأعمال ككونهم ينزلون إلى الأرض كما قال : { نزل به الروح الأمين * على قلبك } وقال : { ونبئهم عن ضيف إبراهيم } وقوله تعالى : { عليها ملائكة غلاظ شداد } الجواب : أن الذين ذكرهم الله تعالى هاهنا بكونهم مواظبين على التسبيح أقوام معينون من الملائكة وهم الأشراف الأكابر منهم ، لأنه تعالى وصفهم بكونهم عنده ، والمراد من هذه العندية كمال الشرف والمنقبة ، وهذا لا ينافي كون طائفة أخرى من الملائكة مشتغلين بسائر الأعمال ، فإن قالوا هب أن الأمر كذلك إلا أنهم لا بد وأن يتنفسوا ، فاشتغالهم بذلك التنفس يصدهم عن تلك الحالة من التسبيح قلنا كما أن التنفس سبب لصلاح حال الحياة بالنسبة إلى البشر فذكر الله تعالى سبب لصلاح حالهم في حياتهم ، ولا يجب على العاقل المنصف أن يقيس أحوال الملائكة في صفاء جوهرها وإشراق ذواتها واستغراقها في معارج معارف الله بأحوال البشر ، فإن بين الحالتين بعد المشرقين .

 
في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{فَإِنِ ٱسۡتَكۡبَرُواْ فَٱلَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُۥ بِٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِ وَهُمۡ لَا يَسۡـَٔمُونَ۩} (38)

37

فإن استكبروا بعد عرض هذه الآيات ، وبعد هذا البيان ، فلن يقدم هذا أو يؤخر ؛ ولن يزيد هذا أو ينقص . فغيرهم يعبد غير مستكبر :

( فإن استكبروا فالذين عند ربك يسبحون له بالليل والنهار ، وهم لا يسأمون ) . .

وأقرب ما يرد على القلب عند ذكر ( الذين عند ربك )الملائكة . ولكن قد يكون هنالك غير الملائكة من عباد الله المقربين ؛ وهل نعلم نحن شيئاً إلا اليسير الضئيل ? !

هؤلاء . الذين عند ربك . وهم أرفع وأعلى . وهم أكرم وأمثل . لا يستكبرون كما يستكبر أولئك المنحرفون

الضالون في الأرض . ولا يغترون بقرب مكانهم من الله . ولا يفترون عن تسبيحه ليلاً ونهاراً ( وهم لا يسأمون ) . . فماذا يساوي أن يتخلف من أهل الأرض من يتخلف في حقيقة العبودية لله من الجميع ?

وهنالك الأرض - أمهم التي تقوتهم - الأرض التي منها خرجوا وإليها يعودون . الأرض التي هم على سطحها نمال تدب ولا طعام لها ولا شراب إلا ما تستمده منها . . هذه الأرض تقف خاشعة لله ، وهي تتلقى من يديه الحياة :