مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{فَلَنَسۡـَٔلَنَّ ٱلَّذِينَ أُرۡسِلَ إِلَيۡهِمۡ وَلَنَسۡـَٔلَنَّ ٱلۡمُرۡسَلِينَ} (6)

قوله تعالى : { فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين فلنقصن عليهم بعلم وما كنا غائبين }

في الآية مسائل :

المسألة الأولى : في تقرير وجه النظم وجهان :

الوجه الأول : أنه تعالى لما أمر الرسل في الآية المتقدمة بالتبليغ ، وأمر الأمة بالقبول والمتابعة ، وذكر التهديد على ترك القبول والمتابعة بذكر نزول العذاب في الدنيا ، أتبعه بنوع آخر من التهديد ، وهو أنه تعالى يسأل الكل عن كيفية أعمالهم يوم القيامة .

الوجه الثاني : أنه تعالى لما قال : { فما كان دعواهم إذ جاءهم بأسنا إلا أن قالوا إنا كنا ظالمين } أتبعه بأنه لا يقع يوم القيامة الاقتصار على ما يكون منهم من الاعتراف بل ينضاف إليه أنه تعالى يسأل الكل عن كيفية أعمالهم ، وبين أن هذا السؤل لا يختص بأهل العقاب بل هو عام في أهل العقاب وأهل الثواب .

المسألة الثانية : { الذين أرسل إليهم } هم الأمة ، والمرسلون هم الرسل ، فبين تعالى أنه يسأل هذين الفريقين ، ونظير هذه الآية قوله : { فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون } .

ولقائل أن يقول : المقصود من السؤال أن يخبر المسؤول عن كيفية أعماله ، فلما أخبر الله عنهم في الآية المتقدمة أنهم يقرون بأنهم كانوا ظالمين ، فما الفائدة في ذكر هذا السؤال بعده ؟ وأيضا قال تعالى بعد هذه الآية : { فلنقصن عليهم بعلم } فإذا كان يقصه عليهم بعلم ، فما معنى هذا السؤال ؟

والجواب : أنهم لما أقروا بأنهم كانوا ظالمين مقصرين ، سئلوا بعد ذلك عن سبب ذلك الظلم والتقصير ، والمقصود منه التقريع والتوبيخ .

فإن قيل : فما الفائدة في سؤال الرسل مع العلم بأنه لم يصدر عنهم تقصير ألبتة ؟

قلنا : لأنهم إذا أثبتوا أنه لم يصدر عنهم تقصير ألبتة التحق التقصير بكليته بالأمة ، فيتضاعف إكرام الله في حق الرسل لظهور براءتهم عن جميع موجبات التقصير ، ويتضاعف أسباب الخزي والإهانة في حق الكفار ، لما ثبت أن كل التقصير كان منهم .

 
في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{فَلَنَسۡـَٔلَنَّ ٱلَّذِينَ أُرۡسِلَ إِلَيۡهِمۡ وَلَنَسۡـَٔلَنَّ ٱلۡمُرۡسَلِينَ} (6)

بينما المشهد هكذا معروضاً في الدنيا إذا السياق ينتقل ، وينقل معه السامعين من فوره إلى ساحة الآخرة . بلا توقف ولا فاصل . فالشريط المعروض موصول المشاهد ، والنقلة تتخطى الزمان والمكان ، وتصل الدنيا بالآخرة ، وتلحق عذاب الدنيا بعذاب الآخرة ؛ وإذا الموقف هناك في لمحة خاطفة :

( فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين . فلنقصن عليهم بعلم ، وما كنا غائبين . والوزن يومئذ الحق . فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون . ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم بما كانوا بآياتنا يظلمون ) . .

إن التعبير على هذا النحو المصور الموحي ، خاصية من خواص القرآن . . إن الرحلة في الأرض كلها تطوى في لمحة . وفي سطر من كتاب . لتلتحم الدنيا بالآخرة ؛ ويتصل البدء بالختام !

فإذا وقف هؤلاء الذين تعرضوا لبأس الله في هذه الأرض وقفتهم هناك للسؤال والحساب والجزاء ، فإنه لا يكتفى باعترافهم ذاك حين واجهوا بأس الله الذي أخذهم وهم غارون : ( إنا كنا ظالمين ) . .

ولكنه السؤال الجديد ، والتشهير بهم على الملأ الحاشد في ذلك اليوم المشهود :

( فلنسألن الذين أرسل إليهم ، ولنسألن المرسلين . فلنقصن عليهم بعلم - وما كنا غائبين )

فهو السؤال الدقيق الوافي ، يشمل المرسل إليهم ويشمل المرسلين . . وتعرض فيه القصة كلها على الملأ الحاشد ؛ وتفصل فيه الخفايا والدقائق ! . . يسأل الذين جاءهم الرسل فيعترفون . ويسأل الرسل فيجيبون .

/خ25