مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{وَكَمۡ أَهۡلَكۡنَا مِن قَرۡيَةِۭ بَطِرَتۡ مَعِيشَتَهَاۖ فَتِلۡكَ مَسَٰكِنُهُمۡ لَمۡ تُسۡكَن مِّنۢ بَعۡدِهِمۡ إِلَّا قَلِيلٗاۖ وَكُنَّا نَحۡنُ ٱلۡوَٰرِثِينَ} (58)

قوله تعالى : { وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها فتلك مساكنهم لم تكن من بعدهم إلا قليلا وكنا نحن الوارثين ، وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولا يتلو عليهم آياتنا وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون }

اعلم أن هذا هو الجواب الثاني : عن تلك الشبهة ، وذلك لأنه تعالى لما بين لأهل مكة ما خصوا به من النعم أتبعه بما أنزله الله تعالى بالأمم الماضية الذين كانوا في نعم الدنيا ، فلما كذبوا الرسل أزال الله عنهم تلك النعم والمقصود أن الكفار لما قالوا إنا لا نؤمن خوفا من زوال نعمة الدنيا ، فالله تعالى بين لهم أن الإصرار على عدم قبول الإيمان هو الذي يزيل هذه النعم ، لا الإقدام على الإيمان ، قال صاحب «الكشاف » : البطر سوء احتمال الغنى وهو أن لا يحفظ حق الله تعالى فيه وانتصبت معيشتها إما بحذف الجار واتصال الفعل كقوله : { واختار موسى قومه } أو بتقدير حذف الزمان المضاف وأصله بطرت أيام معيشتها ، وإما تضمين بطرت معنى كفرت .

فأما قوله : { فتلك مساكنهم لم تسكن من بعدهم إلا قليلا } ففي هذا الاستثناء وجوه أحدها : قال ابن عباس رضي الله عنهما : لم يسكنها إلا المسافر ومار الطريق يوما أو ساعة . وثانيها : يحتمل أن شؤم معاصي المهلكين بقي أثره في ديارهم ، فكل من سكنها من أعقابهم لم يبق فيها إلا قليلا وكنا نحن الوارثين لها بعد هلاك أهلها ، وإذا لم يبق للشيء مالك معين قيل إنه ميراث الله لأنه الباقي بعد فناء خلقه .

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{وَكَمۡ أَهۡلَكۡنَا مِن قَرۡيَةِۭ بَطِرَتۡ مَعِيشَتَهَاۖ فَتِلۡكَ مَسَٰكِنُهُمۡ لَمۡ تُسۡكَن مِّنۢ بَعۡدِهِمۡ إِلَّا قَلِيلٗاۖ وَكُنَّا نَحۡنُ ٱلۡوَٰرِثِينَ} (58)

{ وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا } أي : فخرت بها ، وألهتها ، واشتغلت بها عن الإيمان بالرسل ، فأهلكهم اللّه ، وأزال عنهم النعمة ، وأحل بهم النقمة . { فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا } لتوالي الهلاك والتلف عليهم ، وإيحاشها من بعدهم .

{ وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ } للعباد ، نميتهم ، ثم يرجع إلينا جميع ما متعناهم به من النعم ، ثم نعيدهم{[608]} إلينا ، فنجازيهم بأعمالهم .


[608]:- كذا في ب، وفي أ: ثم تفيدهم إلينا، فنجازيهم، وهو خطأ ظاهر من الناسخ.