مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{۞وَإِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمۡ صَٰلِحٗاۚ قَالَ يَٰقَوۡمِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرُهُۥۖ هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ ٱلۡأَرۡضِ وَٱسۡتَعۡمَرَكُمۡ فِيهَا فَٱسۡتَغۡفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوٓاْ إِلَيۡهِۚ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٞ مُّجِيبٞ} (61)

قوله تعالى { وإلى ثمود أخاهم صالحا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها فاستغفروه ثم توبوا إليه إن ربي قريب مجيب قالوا يا صالح قد كنت فينا مرجوا قبل هذا أتنهانا أن نعبد ما يعبد آباؤنا وإننا لفي شك مما تدعونا إليه مريب }

اعلم أن هذا هو القصة الثالثة من القصص المذكورة في هذه السورة ، وهي قصة صالح مع ثمود ، ونظمها مثل النظم المذكور في قصة هود ، إلا أن ههنا لما أمرهم بالتوحيد ذكر في تقريره دليلين :

الدليل الأول : قوله : { هو أنشأكم من الأرض } وفيه وجهان :

الوجه الأول : أن الكل مخلوقون من صلب آدم ، وهو كان مخلوقا من الأرض . وأقول : هذا صحيح لكن فيه وجه آخر وهو أقرب منه ، وذلك لأن الإنسان مخلوق من المني ومن دم الطمث ، والمني إنما تولد من الدم ، فالإنسان مخلوق من الدم ، والدم إنما تولد من الأغذية ، وهذه الأغذية إما حيوانية وإما نباتية ، والحيوانات حالها كحال الإنسان ، فوجب انتهاء الكل إلى النبات وظاهر أن تولد النبات من الأرض ، فثبت أنه تعالى أنشأنا من الأرض .

والوجه الثاني : أن تكون كلمة { من } معناها في التقدير : أنشأكم في الأرض ، وهذا ضعيف لأنه متى أمكن حمل الكلام على ظاهره فلا حاجة إلى صرفه عنه ، وأما تقرير أن تولد الإنسان من الأرض كيف يدل على وجود الصانع فقد شرحناه مرارا كثيرة .

الدليل الثاني : قوله : { واستعمركم فيها } وفيه ثلاثة أوجه : الأول : جعلكم عمارها ، قالوا : كان ملوك فارس قد أكثروا في حفر الأنهار وغرس الأشجار ، لا جرم حصلت لهم الأعمار الطويلة فسأل نبي من أنبياء زمانهم ربه ، ما سبب تلك الأعمار ؟ فأوحى الله تعالى إليه أنهم عمروا بلادي فعاش فيها عبادي ، وأخذ معاوية في إحياء أرض في آخر عمره فقيل له ما حملك عليه ، فقال : ما حملني عليه إلا قول القائل :

ليس الفتى بفتى لا يستضاء به*** ولا يكون له في الأرض آثار

الثاني : أنه تعالى أطال أعماركم فيها واشتقاق { واستعمركم } من العمر مثل استبقاكم من البقاء . والثالث : أنه مأخوذ من العمرى ، أي جعلها لكم طول أعماركم فإذا متم انتقلت إلى غيركم .

واعلم أن في كون الأرض قابلة للعمارات النافعة للإنسان ، وكون الإنسان قادرا عليها دلالة عظيمة على وجود الصانع ، ويرجع حاصله إلى ما ذكره الله تعالى في آية أخرى وهي قوله : { والذي قدر فهدى } وذلك لأن حدوث الإنسان مع أنه حصل في ذاته العقل الهادي والقدرة على التصرفات الموافقة يدل على وجود الصانع الحكيم وكون الأرض موصوفة بصفات مطابقة للمصالح موافقة للمنافع يدل أيضا على وجود الصانع الحكيم .

أما قوله : { فاستغفروه ثم توبوا إليه } فقد تقدم تفسيره .

وأما قوله : { إن ربى قريب مجيب } يعني أنه قريب بالعلم والسمع { مجيب } دعاء المحتاجين بفضله ورحمته ،

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{۞وَإِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمۡ صَٰلِحٗاۚ قَالَ يَٰقَوۡمِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرُهُۥۖ هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ ٱلۡأَرۡضِ وَٱسۡتَعۡمَرَكُمۡ فِيهَا فَٱسۡتَغۡفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوٓاْ إِلَيۡهِۚ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٞ مُّجِيبٞ} (61)

{ وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ 61 قَالُواْ يَا صَالِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ 62 قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَى بَيِّنَةً مِّن رَّبِّي وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَن يَنصُرُنِي مِنَ اللّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ 63 } .

المفردات :

واستعمركم فيها : جعلكم تعمرونها ، يقال : أعمرته الأرض ، واستعمرته إياها ؛ إذا فوضت إليه عمارتها .

61

التفسير :

61 { وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ . . . } الآية .

أي : ولقد أرسلنا إلى بني ثمود ، الذين يسكنون مدائن الحجر بين تبوك والمدينة ، وكانوا بعد عاد أرسلنا لهم رجلا من قبيلتهم ؛ فأمرهم ؛ بعبادة الله وحده ؛ فهو الإله الخالق الرازق ، بيده الخلق والأمر ، وليس هناك من إله سواه يفعل ذلك .

{ هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ واستعمركم فيها } . هو الذي ابتدأ خلقكم من هذه الأرض ، وأبوكم آدم ما خلق إلا منها ، وهو أبو البشر ، ثم خلق الناس من نطفة ، ثم من علقة ثم مضغة تكسى بعدئذ بهيكل عظمي ولحم ، وتستكمل مواصفات الحياة بقدر الله أحسن الخالقين ، وأصل النطفة من الدم ، والدم من الغذاء ، والغذاء إما من نبات الأرض ، أو من اللحم الذي يرجع إلى النبات .

{ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا } . أي : جعلكم عمارا لها ؛ فقد كانوا زرعا وصناعا وبنائين ؛ قال تعالى : { أتتركون في ما هاهنا آمنين * في جنات وعيون * وزروع ونخل طلعها هضيم * وتنحتون من الجبال بيوتا فارهين * فاتقوا الله وأطيعون } . ( الشعراء : 146 150 ) .

{ فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ } . أي : اسألوه المغفرة لما سلف من ذنوبكم وشرككم ومعصيتكم ، ثم توبوا إليه بالإقلاع عن الذنوب والندم على المعاصي ، والعزم على الاستقامة في المستقبل .

{ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ } ؛ فهو سبحانه قريب من عباده ، يسمع دعاءهم ، ويغفر ذنوبهم ، ويجيب طلبهم ، قال تعالى : { َإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ } . ( البقرة : 186 )

 
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير للجزائري - أبوبكر الجزائري [إخفاء]  
{۞وَإِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمۡ صَٰلِحٗاۚ قَالَ يَٰقَوۡمِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرُهُۥۖ هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ ٱلۡأَرۡضِ وَٱسۡتَعۡمَرَكُمۡ فِيهَا فَٱسۡتَغۡفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوٓاْ إِلَيۡهِۚ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٞ مُّجِيبٞ} (61)

شرح الكلمات :

{ وإلى ثمود } : أي وأرسلنا إلى قبيلة ثمود .

{ أخاهم صالحا } : أي في النسب لأنه من قبيلة ثمود ، بينه وبين ثمود أبي القبيلة خمسة أجداد .

{ واستعمركم } : أي جعلكم عماراً فيها تعمرونها بالسكن والإِقامة فيها .

{ قريب مجيب } : أي من خلقه ، إذ العوالم كلها بين يديه ومجيب أي لمن سأله .

المعنى :

هذه بداية قصة صالح مع قومه إذ قال تعالى مخبراً عن إرساله إلى قومه { وإلى ثمود أخاهم صالحا } أي وأرسلنا إلى قبيلة ثمود بالحجر بين الحجاز والشام أخاهم في القبيلة لا في الدين صالحاً . فقال { يا قوم أعبدوا الله ما لكم من إله غيره } فناداهم بعنوان القومية جمعا لقلوبهم على ما يقول لهم فقال { يا قوم اعبدوا الله } أي آمنوا به ووحدوه في عبادته فلا تعبدوا معه أحداً . إذ ليس لكم من إله غيره . إذ هو ربكم أي خالقكم ورازقكم ومدير أمركم . { أنشأكم من الأرض } أي ابتدأ خلقكم بخلق أبيكم آدم منها { واستعمركم فيها } أي جعلكم تعمرونها بالسكن فيها والعيش عليها . إذا فاستغفروه بالاعتراف بألوهيته ثم توبوا إليه فاعبدوه وحده ولا تشركوا في عبادته أحداً . وقوله { إنّ ربّي قريب مجيب } أخبرهم بقرب الربّ تعالى من عباده وإجابته لسائليه ترغيبا لهم في الإِيمان والطاعة ، وترك الشرك والمعاصي . هذا ما تضمّنته الآية الأولى ( 61 ) .

الهداية

من الهداية :

- وحدة الوسيلة والغاية عند كافّة الرسل فالوسيلة عباة الله وحده ، والغاية رضا الله والجنة .

- تقديم الاستغفار على التوبة في الآية سره إن المرء لا يقلع عن ذنبه حتى يعترف به .