قوله تعالى : { الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله والله مع الصابرين } في الآية مسائل :
المسألة الأولى : روي أنه صلى الله عليه وسلم كان يبعث العشرة إلى وجه المائة ، بعث حمزة في ثلاثين راكبا قبل بدر إلى قوم فلقيهم أبو جهل في ثلثمائة راكب وأرادوا قتالهم ، فمنعهم حمزة وبعث رسول الله عبد الله بن أنيس إلى خالد بن صفوان الهذلي وكان في جامعة ، فابتدر عبد الله وقال : يا رسول الله صفه لي ، فقال : «إنك إذا رأيته ذكرت الشيطان ووجدت لذلك قشعريرة وقد بلغني أنه جمع لي فاخرج إليه واقتله » قال : فخرجت نحوه فلما دنوت منه وجدت القشعريرة فقال لي : من الرجل ؟ قلت له من العرب سمعت بك وبجمعك ؟ ومشيت معه حتى إذا تمكنت منه قتلته بالسيف وأسرعت إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وذكرت أني قتلته . فأعطاني عصا وقال : «أمسكها فإنها آية بيني وبينك يوم القيامة » ثم إن هذا التكليف شق على المسلمين فأزاله الله عنهم بهذه الآية قال عطاء عن ابن عباس : لما نزل التكليف الأول ضج المهاجرون ، وقالوا : يا رب نحن جياع وعدونا شباع ، ونحن في غربة وعدونا في أهليهم ، ونحن قد أخرجنا من ديارنا وأموالنا وأولادنا وعدونا ليس كذلك ، وقال الأنصار : شغلنا بعدونا وواسينا إخواننا ، فنزل التخفيف ، وقال عكرمة : إنما أمر الرجل أن يصبر لعشرة ، والعشرة لمائة حال ما كان المسلمون قليلين ، فلما كثروا خفف الله تعالى عنهم ، ولهذا قال ابن عباس : أيما رجل فر من ثلاثة فلم يفر ، فإن فر من اثنين فقد فر ، والحاصل أن الجمهور ادعوا أن قوله : { الآن خفف الله عنكم } ناسخ للآية المتقدمة وأنكر أبو مسلم الأصفهاني هذا النسخ ، وتقرير قوله أن يقال : إنه تعالى قال في الآية الأولى : { إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين } فهب أنا نحمل هذا الخبر على الأمر إلا أن هذا الأمر كان مشروطا بكون العشرين قادرين على الصبر في مقابلة المائتين ، وقوله : { الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا } يدل على أن ذلك الشرط غير حاصل في حق هؤلاء ، فصار حاصل الكلام أن الآية الأولى دلت على ثبوت حكم عند شرط مخصوص ، وهذه الآية دلت على أن ذلك الشرط مفقود في حق هذه الجماعة ، فلا جرم لم يثبت ذلك الحكم ، وعلى هذا التقدير لم يحصل النسخ البتة .
فإن قالوا : قوله : { إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين } معناه : ليكن العشرون الصابرون في مقابلة المائتين ، وعلى هذا التقدير فالنسخ لازم .
قلنا : لم لا يجوز أن يقال إن المراد من الآية إن حصل عشرون صابرون في مقابلة المائتين ، فليشتغلوا بجهادهم ؟ والحاصل أن لفظ الآية ورد على صورة الخبر خالفنا هذا الظاهر وحملناه على الأمر ، أما في رعاية الشرط فقد تركناه على ظاهره ، وتقديره إن حصل منكم عشرون موصوفون بالصبر على مقاومة المائتين فليشتغلوا بمقاومتهم ، وعلى هذا التقدير فلا نسخ .
فإن قالوا : قوله : { الآن خفف الله عنكم } مشعر بأن هذا التكليف كان متوجها عليهم قبل هذا التكليف .
قلنا : لا نسلم أن لفظ التخفيف يدل على حصول التثقيل قبله ، لأن عادة العرب الرخصة بمثل هذا الكلام ، كقوله تعالى عند الرخصة للحر في نكاح الأمة { يريد الله أن يخفف عنكم } وليس هناك نسخ وإنما هو إطلاق نكاح الأمة لمن لا يستطيع نكاح الحرائر ، فكذا ههنا . وتحقيق القول أن هؤلاء العشرين كانوا في محل أن يقال إن ذلك الشرط حاصل فيهم ، فكان ذلك التكليف لازما عليهم ، فلما بين الله أن ذلك الشرط غير حاصل فيهم وأنه تعالى علم أن فيهم ضعفاء لا يقدرون على ذلك فقد تخلصوا عن ذلك الخوف ، فصح أن يقال خفف الله عنكم ، ومما يدل على عدم النسخ أنه تعالى ذكر هذه الآية مقارنة للآية الأولى ، وجعل الناسخ مقارنا للمنسوخ لا يجوز .
فإن قالوا : العبرة في الناسخ والمنسوخ بالنزول دون التلاوة فإنها قد تتقدم وقد تتأخر ، ألا ترى أن في عدة الوفاة الناسخ مقدم على المنسوخ .
قلنا : لما كان كون الناسخ مقارنا للمنسوخ غير جائز في الوجود ، وجب أن لا يكون جائزا في الذكر ، اللهم إلا لدليل قاهر وأنتم ما ذكرتم ذلك ، وأما قوله في عدة الوفاة الناسخ مقدم على المنسوخ فنقول : إن أبا مسلم ينكر كل أنواع النسخ في القرآن فكيف يمكن إلزام هذا الكلام عليه ؟ فهذا تقرير قول أبي مسلم . وأقول : إن ثبت إجماع الأمة على الإطلاق قبل أبي مسلم على حصول هذا النسخ فلا كلام عليه ، فإن لم يحصل هذا الإجماع القاطع فنقول : قول أبي مسلم صحيح حسن .
المسألة الثانية : احتج هشام على قوله إن الله تعالى لا يعلم الجزئيات إلا عند وقوعها بقوله : { الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا } قال : فإن معنى الآية : الآن علم الله أن فيكم ضعفا وهذا يقتضي أن علمه بضعفهم ما حصل إلا في هذا الوقت . والمتكلمون أجابوا بأن معنى الآية : أنه تعالى قبل حدوث الشيء لا يعلمه حاصلا واقعا ، بل يعلم منه أنه سيحدث ، أما عند حدوثه ووقوعه فإن يعلمه حادثا واقعا ، فقوله : { الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا } معنا : أن الآن حصل العلم بوقوعه وحصوله ، وقبل ذلك فقد كان الحاصل هو العلم بأنه سيقع أو سيحدث .
المسألة الثالثة : قرأ عاصم وحمزة { علم أن فيكم ضعفا } بفتح الضاد وفي الروم مثله ، والباقون فيهما بالضم ، وهما لغتان صحيحتان ، الضعف والضعف كالمكث والمكث . وخالف حفص عاصما في هذا الحرف وقرأهما بالضم وقال : ما خالفت عاصما في شيء من القرآن إلا في هذا الحرف .
المسألة الرابعة : الذي استقر حكم التكليف عليه بمقتضى هذه الآية أن كل مسلم بالغ مكلف وقف بإزاء مشركين ، عبدا كان أو حرا فالهزيمة عليه محرمة ما دام معه سلاح يقاتل به ، فإن لم يبق معه سلاح فله أن ينهزم ، وإن قاتله ثلاثة حلت له الهزيمة والصبر أحسن . روى الواحدي في «البسيط » أنه وقف جيش مؤتة وهم ثلاثة آلاف وأمراؤهم على التعاقب زيد بن حارثة ثم جعفر بن أبي طالب ثم عبد الله بن رواحة في مقابلة مائتي ألف من المشركين ، مائة ألف من الروم ومائة ألف من المستعربة وهم لخم وجذام .
المسألة الخامسة : قوله : { بإذن الله } فيه بيان أنه لا تقع الغلبة إلا بإذن الله . والإذن ههنا هو الإرادة . وذلك يدل على قولنا في مسألة خلق الأفعال وإرادة الكائنات .
واعلم أنه تعالى ختم الآية بقوله : { والله مع الصابرين } والمراد ما ذكره في الآية الأولى من قوله : { إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين } فبين في آخر هذه الآية أن الله مع الصابرين والمقصود أن العشرين لو صبروا ووقفوا فإن نصرتي معهم وتوفيقي مقارن لهم ، وذلك يدل على صحة مذهب أبي مسلم وهو أن ذلك الحكم ما صار منسوخا بل هو ثابت كما كان ، فإن العشرين إن قدروا على مصابرة المائتين بقي ذلك الحكم ، وإن لم يقدروا على مصابرتهم فالحكم المذكور ههنا زائل .
66 – { الآنَ خَفَّفَ اللّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُواْ أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ } .
أي : الآن خفف الله عنكم إيجاب ثبات الواحد لعشرة ، وقد علم أن فيكم ضعفا في أبدانكم أو كثرة أعبائكم ؛ أو دخول جموع من الأعراب ؛ والأتباع الذين أسلموا تبعا لقادتهم ، ولم يستقر الإيمان كاملا في قلوبهم ؛ فاستوجب ذلك التخفيف من الله العليم القدير .
{ فإن يكن منكم مائة صابرة } . عند اللقاء ثابتة في محاربة الأعداء ، مطمئنة إلى نصر الله للصابرين ؛ فإنهم يغلبوا مائتين . من الأعداء .
{ وإن يكن منكم ألف } . صابرون { يغلبوا ألفين } . بالنصر والمعونة الإلهية { بإذن الله } . وقوته وقدرته ، { والله مع الصابرين } . بتأييده ورعايته ونصره .
وفيه تنبيه على أسباب النصر ، ومنها : الصبر والثبات ، والإعداد المادي والنفسي ، والمعرفة بحقائق الأمور ومقاصد الجهاد ، ومصاولة اليأس ، ومقاومة الشائعات والأراصف ، والبعد عن أسباب الخلاف والفرقة ، وطاعة الرحمان .
ذهب بعض المفسرين إلى أن الآية 66 ناسخة للآية السابقة عليها ، واستشهدوا بما رواه البخاري عن ابن عباس قال : لما نزلت : { إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين } . شق ذلك على المسلمين ، حين فرض عليهم ألا يفر الواحد من عشرة .
فجاء التخفيف فقال : { الآن خفف الله عنكم . . . . }
لا محالة قد وقع النسخ عن المسلمين فيما كلفوا به أولا ، ولم يكن أولئك القوم قد نقصت بصائرهم ، ولا قل صبرهم ، إنما خالطهم قوم لم يكن لهم مثل بصائرهم ونياتهم ، وهم المعنيون بقوله تعالى : { وعلم أن فيكم ضعفا } .
وذهب آخرون إلى أنه لا نسخ بين الآيتين : " فإن القول بالنسخ يقتضي أن يكون بين الآيتين – الناسخة والمنسوخة – مسافة زمنية ، بحيث يكون لتغير الحكم ونسخه بحكم آخر مقتضى اقتضاه تغير الحال بامتداد الزمن ، وليس هناك دليل على أن فارقا زمنا وقع بين نزول الآيتين . . . بل ظاهر الآيتين ينبئ عن أنهما نزلتا معا في وقت واحد ، وقد قيل : إنهما نزلتا في غزوة بدر ، وقيل : قبل بدء القتال " lxi .
وقد ذهب الأستاذ على حسب الله في كتابه أصول التشريع الإسلامي إلى أنه لا نسخ بين الآيتين .
فالآية الأولى تمهيد للآية الثانية ؛ حتى يتحمل المسلمون الثبات أمام ضعف عددهم بنفس ثابتة مطمئنة .
وذلك كما يقول الأستاذ لتلميذه : أنا أعرف أنك ذكي مجتهد تستطيع أن تقرأ مائة صفحة من هذا الكتاب ، ومع ذلك فإني أطلب منك أن تقرأ عشرين صفحة بصبر وتفهم ووعي .
واختار الشيخ حسنين محمد مخلوف في كتابه : " صفوة البيان لمعاني القرآن " .
أن الآية الثانية رخصة كالفطر للمسافر ؛ فإذا كان المسلمون في شدة وحرج وخطر ، واقتضى الأمر ثبات لعشرة ؛ وجب أن يثبتوا .
وإذا كانوا في سعة ويسر ؛ جاء التخفيف ، وفرض على الواحد الثبات للاثنين من الكفار ، ورخص له في الفرار ؛ إذا كان العدو أكثر من اثنين .
والجمهور على أن الآية الثانية ناسخة للأولى .
ويرى بعض العلماء أنه يمكن العمل بالآيتين ، فالآية الأولى عند القوة والحاجة ، والآية الثانية عند السعة واليسر .
يقول الأستاذ عبد الكريم الخطيب :
" وقد فعل المسلمون هذا فعلا ، في سيرتهم مع الإسلام ، وفي انتصارهم على أعداء تكثرهم أكثر من عشرة أضعاف . فإن كنت في شك من هذا فاسأل التاريخ . . . بكم من المسلمين فتح خالد بن الوليد مملكة فارس ؟ ! وبكم من المسلمين فتح أبو عبيدة بن الجراح بلاد الروم ؟ !
وكم كانت أعداء المسلمين الذين فتح بهم عمرو بن العاص مصر ؟ ! وبكم من المسلمين اقتحم طارق ابن زياد بلاد الأندلس ، واستولى على زمام الأمر فيها ؟ !
وجواب التاريخ هنا شهادة قاطعة : بأن المسلم إذا استنجد بإيمانه بالله ؛ كان وحده كتيبة تغلب العشرات ، لا العشرة من جند العدو " lxii .
يقول السيد رشيد رضا في تفسير المنار :
" والآية تدل على أن من شأن المؤمنين ، أن يكونوا أعلم من الكافرين ، وأفقه منهم بكل علم وفن يتعلق بحياة البشر ، وارتقاء الأمم ، وأن حرمان الكفار من هذا العلم ؛ هو السبب في كون المائة منهم دون العشرة من المؤمنين الصابرين .
وهكذا كان المؤمنون من قرونهم الأولى . . . أما الآن ، فقد أصبح المسلمون غافلين عن هذه المعاني الجليلة ؛ فزال مجدهم ! "
{ الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفاً فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبون مائتين ، وإن يكن منكم ألف يغلبون ألفين بإذن الله والله مع الصابرين } الآن بعد علمه تعالى بضعفكم حيث لا يقوى الواحد على قتال عشرة ، ولا العشرة على قتال مائة ولا المائة على قتال الألف خفف تعالى رحمة بكم ومنّة عليكم ، فنسخ الحكم الأول بالثاني الذي هو قتال الواحد للاثنين ، والعشرة للعشرين والمائة للمائتين ، والألف للألفين ، ومفاده أن المؤمن لا يجوز له أن يفر من وجه اثنين ولكن يجوز له أن يفر إذا كانوا أكثر من اثنين وهكذا سائر النِسب فالعشرة يحرم عليهم أن يفروا من عشرين ولكن يجوز لهم أن يفروا من ثلاثين أو أربعين مثلاً . وهذا من باب رفع الحرج فقط وإلا فإنه يجوز للمؤمن أن يقاتل عشرة أو أكثر ، فقد قاتل ثلاثة آلاف صحابي يوم مؤتة مائة وخمسين ألفاً من الروم والعرب المتنصرة وقوله تعالى { بإذن الله } أي بمعونته وتأييده إذ لا نصر بدون عون من الله تعالى وإذن ، وقوله { والله مع الصابرين } أي بالتأييد والنصر ، والصبر شرط في تأييد الله وعونه فمن لم يصبر على القتال فليس له على الله وعد في نصره وتأييده .