مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَتَطۡمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكۡرِ ٱللَّهِۗ أَلَا بِذِكۡرِ ٱللَّهِ تَطۡمَئِنُّ ٱلۡقُلُوبُ} (28)

{ الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب الذين آمنوا وعملوا الصالحات طوبى لهم وحسن مآب }

اعلم أن قوله : { الذين آمنوا } بدل من قوله : { من أناب } قال ابن عباس : يريد إذا سمعوا القرآن خشعت قلوبهم واطمأنت .

فإن قيل : أليس أنه تعالى قال في سورة الأنفال : { إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم } والوجل ضد الاطمئنان ، فكيف وصفهم ههنا بالاطمئنان ؟ والجواب من وجوه : الأول ، أنهم إذا ذكروا العقوبات ولم يأمنوا من أن يقدموا على المعاصي فهناك وصفهم بالوجل ، وإذا ذكروا وعده بالثواب والرحمة ، سكنت قلوبهم إلى ذلك ، وأحد الأمرين لا ينافي الآخر ، لأن الوجل هو بذكر العقاب والطمأنينة بذكر الثواب ، ويوجد الوجل في حال فكرهم في المعاصي ، وتوجد الطمأنينة عند اشتغالهم بالطاعات . الثاني : أن المراد أن علمهم بكون القرآن معجزا يوجب حصول الطمأنينة لهم في كون محمد صلى الله عليه وسلم نبيا حقا من عند الله . أما شكهم في أنهم أتوا بالطاعات على سبيل التمام والكمال فيوجب حصول الوجل في قلوبهم . الثالث : أنه حصلت في قلوبهم الطمأنينة في أن الله تعالى صادق في وعده ووعيده ، وأن محمدا صلى الله عليه وسلم صادق في كل ما أخبر عنه ، إلا أنه حصل الوجل والخوف في قلوبهم أنهم هل أتوا بالطاعة الموجبة للثواب أم لا ، وهل احترزوا عن المعصية الموجبة للعقاب أم لا .

واعلم أن لنا في قوله : { ألا بذكر الله تطمئن القلوب } أبحاثا دقيقة غامضة وهي من وجوه :

الوجه الأول : أن الموجودات على ثلاثة أقسام : مؤثر لا يتأثر ، ومتأثر لا يؤثر ، وموجود يؤثر في شيء ويتأثر عن شيء ، فالمؤثر الذي لا يتأثر هو الله سبحانه وتعالى ، والمتأثر الذي لا يؤثر هو الجسم ، فإنه ذات قابلة للصفات المختلفة والآثار المتنافية ، وليس له خاصية إلا القبول فقط . وأما الموجود الذي يؤثر تارة ويتأثر أخرى ، فهي الموجودات الروحانية ، وذلك لأنها إذا توجهت إلى الحضرة الإلهية صارت قابلة للآثار الفائضة عن مشيئة الله تعالى وقدرته وتكوينه وإيجاده وإذا توجهت إلى عالم الأجسام اشتاقت إلى التصرف فيها ، لأن عالم الأرواح مدبر لعالم الأجسام .

وإذا عرفت هذا فالقلب كلما توجه إلى مطالعة عالم الأجسام حصل فيه الاضطراب والقلق والميل الشديد إلى الاستيلاء عليها والتصرف فيها ، أما إذا توجه القلب إلى مطالعة الحضرة الإلهية حصل فيه أنوار الصمدية والأضواء الإلهية ، فهناك يكون ساكنا فلهذا السبب قال : { ألا بذكر الله تطمئن القلوب } .

الوجه الثاني : أن القلب كلما وصل إلى شيء فإنه يطلب الانتقال منه إلى حالة أخرى أشرف منها ، لأنه لا سعادة في عالم الأجسام إلا وفوقها مرتبة أخرى في اللذة والغبطة . أما إذا انتهى القلب والعقل إلى الاستسعاد بالمعارف الإلهية والأضواء الصمدية بقي واستقر فلم يقدر على الانتقال منه البتة ، لأنه ليس هناك درجة أخرى في السعادة أعلى منها وأكمل ؛ فلهذا المعنى قال : { ألا بذكر الله تطمئن القلوب } .

والوجه الثالث : في تفسير هذه الكلمة أن إلا كسير إذا وقعت منه ذرة على الجسم النحاسي انقلب ذهبا باقيا على كر الدهور والأزمان ، صابرا على الذوبان الحاصل بالنار ، فإكسير جلال الله تعالى إذا وقع في القلب أولى أن يقلبه جوهرا باقيا صافيا نورانيا لا يقبل التغيير والتبدل ، فلهذا قال : { ألا بذكر الله تطمئن القلوب } .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَتَطۡمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكۡرِ ٱللَّهِۗ أَلَا بِذِكۡرِ ٱللَّهِ تَطۡمَئِنُّ ٱلۡقُلُوبُ} (28)

ثم بين حال من أناب إليه فقال :

{ الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب } .

المفردات :

تطمئن قلوبهم : تستقر وتستريح وتستأنس .

تمهيد :

اشتمل القرآن الكريم على عدد من المعجزات ، منها : الإخبار عن الأمم السابقة ، وبيان : نواميس الكون ، ونواميس الله في خلقه ، ونواميس الاجتماع البشري ، وأشار إلى طائفة من المعارف والعلوم ، وقدم نموذجا رائعا من الآداب والهداية والتشريع ، وأشار إلى نصر الروم ، وانتشار الإسلام ، ومع هذا طلب الكفار معجزات مادية ؛ فبين الله : أن الإعراض عن هداية القرآن ؛ هو الضلال الذي يضل الله به من أعرض عنه ، والهداية بالقرآن والاستمساك به ؛ هو الهدى الذي يهدي به الله من أناب إليه من المؤمنين .

والمعنى : من أناب إلى الله هم المؤمنون ، الذين استجابوا لداعي الإيمان فآمنوا ، وإذا تلي عليهم القرآن ؛ زادهم إيمانا واطمئنانا ؛ فقلوبهم تستروح بذكر الله ، وتلاوة القرآن والحديث عن الإيمان .

{ ألا بذكر الله تطمئن القلوب } .

بتذكر عظمة الله ، وتلاوة كتابه ، تطمئن القلوب ، ويزول عنها القلق والاضطراب ؛ بما يفيضه عليها من نور الإيمان ، وهداية الرحمان ، التي تذهب الهلع والوحشة .

وذكر الله يمكن أن يطلق على : القرآن الكريم ؛ فهو ذكر وأعظم ذكر ، فكل حرف منه له ثواب عشر حسنات ، قال تعالى : { وهذا ذكر مبارك أنزلناه أفأنتم له منكرون } ( الأنبياء : 50 ) ، وقال سبحانه : { إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون }( الحجر : 9 ) .

ويمكن أن يراد به التسبيح والتحميد والتهليل ، قال تعالى : { والذاكرين الله كثيرا والذاكرات أعد الله لهم مغفرة وأجرا عظيما }( الأحزاب : 35 ) .

ويمكن أن يراد به : ما يشمل القرآن ، والذكر ، وتذكر عظمة الله وجلاله .