مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{أَمِ ٱتَّخَذُوٓاْ ءَالِهَةٗ مِّنَ ٱلۡأَرۡضِ هُمۡ يُنشِرُونَ} (21)

قوله تعالى :{ أم اتخذوا آلهة من الأرض هم ينشرون ، لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا فسبحان الله رب العرش عما يصفون ، لا يسأل عما يفعل وهم يسألون ، أم اتخذوا من دونه آلهة قل هاتوا برهانكم هذا ذكر من معي وذكر من قبلي بل أكثرهم لا يعلمون الحق فهم معرضون ، وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون }

اعلم أن الكلام من أول السورة إلى ههنا كان في النبوات وما يتصل بها من الكلام سؤالا وجوابا ، وأما هذه الآيات فإنها في بيان التوحيد ونفي الأضداد والأنداد .

أما قوله تعالى : { أم اتخذوا آلهة من الأرض هم ينشرون } ففيه مسائل :

المسألة الأولى : قال صاحب «الكشاف » : أم ههنا هي المنقطعة الكائنة بمعنى بل والهمزة قد أذنت بالإضراب عما قبلها والإنكار لما بعدها ، والمنكر هو اتخاذهم آلهم من الأرض ينشرون الموتى ، ولعمري إن من أعظم المنكرات أن ينشر الموتى بعض الموات ، فإن قلت : كيف أنكر عليهم اتخاذ آلهة ينشرون وما كانوا يدعون ذلك لآلهتهم بل كانوا في نهاية البعد عن هذه الدعوى ، فإنهم كانوا مع إقرارهم بالله وبأنه خالق السماوات والأرض منكرين للبعث ، ويقولون : { من يحيي العظام وهى رميم } فكيف يدعونه للجماد الذي لا يوصف بالقدرة ألبتة ؟ قلت : لأنهم لما اشتغلوا بعبادتها ولا بد للعبادة من فائدة هي الثواب فإقدامهم على عبادتها يوجب عليهم الإقرار بكونهم قادرين على الحشر والنشر والثواب والعقاب ، فذكر ذلك على سبيل التهكم بهم والتجهيل ، يعني إذا كانوا غير قادرين على أن يحيوا ويميتوا ويضروا وينفعوا فأي عقل يجوز اتخاذهم آلهة .

المسألة الثانية : قوله : { من الأرض } كقولك فلان من مكة أو من المدينة ، تريد مكي أو مدني إذ معنى نسبتها إلى الأرض الإيذان بأنها الأصنام التي تعبد في الأرض لأن الآلهة على ضربين : أرضية وسماوية ويجوز أن يراد آلهة من جنس الأرض ، لأنها إما أن تكون منحوتة من بعض الحجارة أو معمولة من بعض جواهر الأرض .

المسألة الثالثة : النكتة في { هم ينشرون } معنى الخصوصية كأنه قيل : أم اتخذوا آلهة من الأرض لا يقدر على الإنشار إلا هم وحدهم .

المسألة الرابعة : قرأ الحسن { ينشرون } وهما لغتان أنشر الله الموتى ونشرها .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{أَمِ ٱتَّخَذُوٓاْ ءَالِهَةٗ مِّنَ ٱلۡأَرۡضِ هُمۡ يُنشِرُونَ} (21)

{ أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِّنَ الأََرْضِ هُمْ يُنشِرُونَ ( 21 ) لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ ( 22 ) لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ ( 23 ) أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ هَذَا ذِكْرُ مَن مَّعِيَ وَذِكْرُ مَن قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُم مُّعْرِضُونَ ( 24 ) وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لاَ إِلهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ ( 25 ) وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ ( 26 ) لاَ يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ ( 27 ) يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ ( 28 ) وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِّن دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ ( 29 ) } .

21

التفسير :

21 - أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِّنَ الأََرْضِ هُمْ يُنشِرُونَ .

ينشرون : من أنشره أي : أحياه .

أي : بل اتخذوا أصناما تعبد من دون الله ، خلقت من الأرض كالأصنام والأحجار ، وهذه الأصنام على حقارتها وضعتها هل تقدر على إحياء الموتى ، وبعث من في القبور ؟ ! والاستفهام هنا للتوبيخ والتقريع ؛ لأن الكفار أثبتوا لهذه الأصنام الألوهية وعبدوها على أنها وسيلة للتقرب إلى الله . وهو هنا يسألهم : من له الألوهية والعبادة يستطيع البعث والنشر ، فهل آلهتكم تملك هذه القدرة ؟ ! والجواب : لا طبعا ؛ لأن الكفار يعرفون ذلك ، وهم وإن لم يقووا ذلك صريحا ، فما ادعوه لها من الألوهية ، يستدعي لها ثبوت إحياء الموتى ؛ لأنه من خصائصها ، وكأن الآية تشير ضمنا إلى أن الخالق الحق هو الله ، فهو الذي أنشأ الخلق من العدم ، وهو القادر على إعادة الخلق كما بدأهم ، قال تعالى : كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ . ( الأنبياء : 104 ) .