أما قوله تعالى : { ثم نكسوا على رؤوسهم لقد علمت ما هؤلاء ينطقون } فقال صاحب «الكشاف » : نكسه قلبه فجعل أسفله أعلاه وفيه مسألتان :
المسألة الأولى : في المعنى وجوه : أحدها : أن المراد استقاموا حين رجعوا إلى أنفسهم وأتوا بالفكرة الصالحة ، ثم انتكسوا فقلبوا عن تلك الحالة ، فأخذوا [ في ] المجادلة بالباطل وأن هؤلاء مع تقاصر حالها عن حال الحيوان الناطق آلهة معبودة . وثانيها : قلبوا على رؤوسهم حقيقة لفرط إطراقهم خجلا وانكسارا وانخذالا مما بهتهم به إبراهيم فما أحاروا جوابا إلا ما هو حجة عليهم . وثالثها : قال ابن جرير ثم نكسوا على رؤوسهم في الحجة عليهم لإبراهيم حين جادلهم . أي قلبوا في الحجة واحتجوا على إبراهيم بما هو الحجة لإبراهيم عليهم ، فقالوا : { لقد علمت ما هؤلاء ينطقون } فأقروا بهذه للحيرة التي لحقتهم ، قال والمعنى نكست حجتهم فأقيم الخبر عنهم مقام الخبر عن حجتهم .
المسألة الثانية : قرئ نكسوا بالتشديد ونكسوا على لفظ ما لم يسم فاعله ، أي نكسوا أنفسهم على رؤوسهم وهي قراءة رضوان بن عبد المعبود .
65 - ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاء يَنطِقُونَ .
نكسوا على رءوسهم : يقال : نكسته ، أي : قلبته فجعلت أعلاه أسفله ، والمراد : أنهم انقلبوا من الاعتراف بالحق إلى المكابرة والجدال بالباطل .
لقد قاوموا ضمائرهم ، وركبوا رءوسهم بلا عقل ، ولا تفكير ، وانقلبوا من الإذعان إلى المكابرة والطغيان ، فما أجمل تعبير القرآن بقوله : ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِم . وهو تعبير مصور ؛ يصور سلوك إنسان استبان له الهدى والنور ؛ فسار على قدميه وفكر بعقله ؛ واهتدى بفطرته لحظة ؛ ثم قاوم الهدى ، ورفض التفكير العقلي ، ورفض الهداية والنور ، وسار على رأسه وعقله منتكسا .
ثم قالوا لإبراهيم : ْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاء يَنطِقُونَ .
إن الأصنام لا تنطق ، ولا تسمع ولا تعقل ، فاكتفوا بكلمة واحدة منها ؛ لأنها تدل عليها ، فليس لدى الأصنام نطق ولا عقل ولا تفكير .
والانتكاس : أن يسير الإنسان على رأسه بدلا من أن يسير على قدميه ، وقد صور القرآن هذا المعنى في سورة تبارك الملك حيث قال تعالى : أفمن يمشي مكبا على وجهه أهدى أمن يمشي سويا على صراط مستقيم . ( الملك : 22 ) .
ومعناها : أتنعكس الحال ، فمن يمشي متعثرا ساقطا على وجهه أهدى في سيره ، أم من يمشي مستوي القامة على طريق لا اعوجاج فيه ؟
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.