وأما قوله : { لا تحسبن الذين كفروا معجزين في الأرض } فالمعنى لا تحسبن يا محمد الذين كفروا سابقين فائقين حتى يعجزونني عن إدراكهم . وقرئ { لا يحسبن } بالياء المعجمة من تحتها ، وفيه أوجه . أحدها : أن يكون معجزين في الأرض هما المفعولان ، والمعنى لا يحسبن الذين كفروا أحدا يعجز الله في الأرض حتى يطمعوا هم في مثل ذلك . وثانيها : أن يكون فيه ضمير الرسول صلى الله عليه وسلم لتقدم ذكره في قوله : { وأطيعوا الرسول } والمعنى : لا يحسبن الذين كفروا معجزين وثالثها : أن يكون الأصل ولا يحسبنهم الذين كفروا معجزين ، ثم حذف الضمير الذي هو المفعول الأول .
وأما قوله : { ومأواهم النار ولبئس المصير } فقال صاحب [ الكشاف ] : النظم لا يحتمل أن يكون متصلا بقوله : { لا تحسبن } لأن ذلك نفي وهذا إيجاب ، فهو إذن معطوف بالواو على مضمر قبله تقديره لا تحسبن الذين كفروا معجزين في الأرض بل هم مقهورون ومأواهم النار .
57 - لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ . . . الآية .
معجزين في الأرض : أي : جاعلين الله عاجزا عن إدراكهم وإهلاكهم ، وإن هربوا في الأرض جميعها .
أي : أيها الرسول ، لا تظنن الكافرين يجدون مهربا في الأرض إذا أردنا إهلاكهم ، بل نحن قادرون على أخذهم والبطش بهم متى أردنا ذلك .
وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ . ومآلهم جهنم يوم القيامة .
أي : بئس المآل مآل الكافرين ، وبئس المهاد .
وتلك طبيعة القرآن ، فهو يتخول السامعين بالنصيحة ، ويراوح بين الأوامر والنواهي ، بالدعوة إلى طاعة الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة ، وبتهديد الكافرين ، وبشارة المؤمنين ، ويتضمن ذلك دعوة للمؤمنين بأن أقيموا منهج الله ، وحققوا أوامره ، ولا عليكم بعد ذلك من كثرة أعدائكم .
( فما هم بمعجزين في الأرض ، وقوتهم الظاهرة لن تقف لكم في طريق ، أنتم أقوياء بإيمانكم ، أقوياء بنظامكم ، أقوياء بعدتكم التي تستطيعون ، وقد لا تكونون في مثل عدتهم من الناحية المادية ، ولكن القلوب المؤمنة التي تجاهد تصنع الخوارق والأعاجيب .
إن الإسلام حقيقة ضخمة لا بد أن يتملاها من يريد الوصول إلى حقيقة وعد الله في تلك الآيات ، ولا بد أن يبحث عن مصداقها في تاريخ الحياة البشرية . وهو يدرك شروطها على حقيقتها ، قبل أن يتشكك فيها أو يرتاب أو يستبطئ وقوعها في حالة من الحالات .
إنه ما من مرة سارت هذه الأمة على نهج الله ، وحكمت هذا النهج في الحياة ، وارتضته في كل أمورها . . . إلا تحقق وعد الله بالاستخلاف والتمكين والأمن ، وما من مرة خالفت عن هذا النهج إلا تخلفت في ذيل القافلة ، وذلت ، وطرد أبناؤها من الهيمنة على البشرية ، واستبد بها الخوف ، وتخطفها الأعداء ، ألا وإن وعد الله قائم ، ألا وإن شرط الله معروف ، فمن شاء الوعد فليقم بالشرط ، ومن أوفى بعهده من الله )234 .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.