ثم قال تعالى : { وتلك الأمثال نضربها للناس } .
قال الكافرون كيف يضرب خالق الأرض والسماوات الأمثال بالهوام والحشرات كالبعوض والذباب والعنكبوت ؟ فيقال الأمثال تضرب للناس إن لم تكونوا كالأنعام يحصل لكم منه إدراك ما يوجب نفرتكم مما أنتم فيه وذلك لأن التشبيه يؤثر في النفس تأثيرا مثل تأثير الدليل ، فإذا قال الحكيم لمن يغتاب إنك بالغيبة كأنك تأكل لحم ميت لأنك وقعت في هذا الرجل وهو غائب لا يفهم ما تقول ولا يسمع حتى يجيب كمن يقع في ميت يأكل منه وهو لا يعلم ما يفعله ولا يقدر على دفعه إن كان يعلمه فينفر طبعه منه كما ينفر إذا قال له إنه يوجب العذاب ويورث العقاب .
ثم قال تعالى : { وما يعقلها إلا العالمون } .
يعني حقيقتها وكون الأمر كذلك لا يعلمه إلا من حصل له العلم ببطلان ما سوى الله وفساد عبادة ما عداه ، وفيه معنى حكمي وهو أن العلم الحدسي يعلمه العاقل والعلم الفكري الدقيق يعقله العالم ، وذلك لأن العاقل إذا عرض عليه أمر ظاهر أدركه كما هو بكنهه لكون المدرك ظاهرا وكون المدرك عاقلا ، ولا يحتاج إلى كونه عالما بأشياء قبله ، وأما الدقيق فيحتاج إلى علم سابق فلا بد من عالم ، ثم إنه قد يكون دقيقا في غاية الدقة فيدركه ولا يدركه بتمامه ويعقله إذا كان عالما . إذا علم هذا فقوله : { وما يعقلها إلا العالمون } يعني هو ضرب للناس أمثالا وحقيقتها وما فيها من الفوائد بأسرها فلا يدركها إلا العلماء .
تلك الأمثال : هذا المثل ونظائره .
نضربها للناس : نجعلها مثلا تقريبا لأفهامهم .
43-{ وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون }
هذا المثل وأشباهه في القرآن الكريم ، يضربه الله تعالى للناس تقريبا للمعاني ، وتيسيرا عليهم في فهم الأمور ، حيث يبرز المعاني المستورة ويوضحها ، فتخرج في قالب محسوس مشاهد أمام العيان .
وكان سفهاء قريش وجهلتهم يقولون : إن رب محمد يضرب المثل بالذباب والعنكبوت ، ويضحكون من ذلك ، فلهذا قال سبحانه وتعالى : { وما يعقلها إلا العالمون }
أي : لا يعقل صحتها وحسنها ، ولا يفهم فائدتها إلا العلماء الأثبات ، المتأملون في القضايا والمسائل .
روى جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم تلا هذه الآية فقال : ( العالم من عقل عن الله تعالى ، فعمل بطاعته واجتنب سخطه ) .
قال عطاء الخرساني : نسجت العنكبوت مرتين : على داود حين كان جالوت يطلبه ، ومرة على النبي صلى الله عليه وسلم ، ولذلك نُهى عن قتلها .
ويروى عن علي رضي الله عنه أنه قال : ( طهروا بيوتكم من نسج العنكبوت ، فإن تركه في البيوت يورث الفقر )16اه .
ونحن ندعو الناس جميعا إلى نظافة بيوتهم ، وتطهيرها من العنكبوت وغيره من الهوام ، فإن الله تعالى نظيف يحب النظافة ، جميل يحب الجمال ، طيب يحب الطيبين .
وقد بنى الدين على النظافة ، ومن أجل ذلك شرع الإسلام الوضوء والاغتسال ، وطهارة البدن والثوب والمكان ، وفي الحديث الشريف : ( الطهور شطر الإيمان )17 .
وقال تعالى : { وثيابك فطهر } [ المدثر : 4 ] .
وقال عز شأنه : { يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين وإن كنتم جنبا فاطهروا . . } [ المائدة : 6 ] .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.