مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلۡحَيُّ ٱلۡقَيُّومُ} (2)

المسألة الثالثة : اعلم أن مطلع هذه السورة له نظم لطيف عجيب ، وذلك لأن أولئك النصارى الذين نازعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم كأنه قيل لهم : إما أن تنازعوه في معرفة الإله ، أو في النبوة ، فإن كان النزاع في معرفة الإله وهو أنكم تثبتون له ولدا وأن محمدا لا يثبت له ولدا فالحق معه بالدلائل العقلية القطعية ، فإنه قد ثبت بالبرهان أنه حي قيوم ، والحي القيوم يستحيل عقلا أن يكون له ولد وإن كان النزاع في النبوة ، فهذا أيضا باطل ، لأن بالطريق الذي عرفتم أن الله تعالى أنزل التوراة والإنجيل على موسى وعيسى فهو بعينه قائم في محمد صلى الله عليه وسلم ، وما ذاك إلا بالمعجزة وهو حاصل ههنا ، فكيف يمكن منازعته في صحة النبوة ، فهذا هو وجه النظم وهو مضبوط حسن جدا فلننظر ههنا إلى بحثين .

البحث الأول : ما يتعلق بالإلهيات فنقول : إنه تعالى حي قيوم ، وكل من كان حيا قيوما يمتنع أن يكون له ولد ، وإنما قلنا : إنه حي قيوم ، لأنه واجب الوجود لذاته ، وكل ما سواه فإنه ممكن لذاته محدث حصل تكوينه وتخليقه وإيجاده على ما بينا كل ذلك في تفسير قوله تعالى : { الله لا إله إلا هو الحي القيوم } وإذا كان الكل محدثا مخلوقا امتنع كون شيء منها ولدا له وإلها ، كما قال : { إن كل من في السماوات والأرض إلا آت الرحمن عبدا } [ مريم : 93 ] وأيضا لما ثبت أن الإله يجب أن يكون حيا قيوما ، وثبت أن عيسى ما كان حيا قيوما لأنه ولد ، وكان يأكل ويشرب ويحدث ، والنصارى زعموا أنه قتل وما قدر على دفع القتل عن نفسه ، فثبت أنه ما كان حيا قيوما ، وذلك يقتضي القطع والجزم بأنه ما كان إلها ، فهذه الكلمة وهي قوله { الحي القيوم } جامعة لجميع وجوه الدلائل على بطلان قول النصارى في التثليث .

وأما البحث الثاني : وهو ما يتعلق بالنبوة ، فقد ذكره الله تعالى ههنا في غاية الحسن ونهاية الجودة ، وذلك لأنه قال : { نزل عليك الكتاب بالحق } [ آل عمران : 3 ] وهذا يجري مجرى الدعوى ، ثم إنه تعالى أقام الدلالة على صحة هذه الدعوى ، فقال : وافقتمونا أيها اليهود والنصارى على أنه تعالى أنزل التوراة والإنجيل من قبل هدى للناس ، فإنما عرفتم أن التوراة والإنجيل كتابان إلهيان ، لأنه تعالى قرن بإنزالهما المعجزة الدالة على الفرق بين قول المحق وقول المبطل والمعجز لما حصل به الفرق بين الدعوى الصادقة والدعوى الكاذبة كان فرقا لا محالة ، ثم أن الفرقان الذي هو المعجز كما حصل في كون التوراة والإنجيل نازلين من عند الله ، فكذلك حصل في كون القرآن نازلا من عند الله وإذا كان الطريق مشتركا ، فإما أن يكون الواجب تكذيب الكل على ما هو قول البراهمة ، أو تصديق الكل على ما هو قول المسلمين ، وأما قبول البعض ورد البعض فذلك جهل وتقليد ، ثم إنه تعالى لما ذكر ما هو العمدة في معرفة الإله على ما جاء به محمد عليه الصلاة والسلام ، وما هو العمدة في إثبات نبوة محمد صلى الله عليه وسلم لم يبق بعد ذلك عذر لمن ينازعه في دينه فلا جرم أردفه بالتهديد والوعيد فقال : { إن الذين كفروا بآيات الله لهم عذاب شديد والله عزيز ذو انتقام } [ آل عمران : 4 ] فقد ظهر أنه لا يمكن أن يكون كلام أقرب إلى الضبط ، وإلى حسن الترتيب وجودة التأليف من هذا الكلام ، والحمد لله على ما هدى هذا المسكين إليه ، وله الشكر على نعمه التي لا حد لها ولا حصر .

ولما لخصنا ما هو المقصود الكلي من الكلام فلنرجع إلى تفسير كل واحد من الألفاظ .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلۡحَيُّ ٱلۡقَيُّومُ} (2)

{ الله لا إله إلا هو الحي القيوم } .

المفردات :

الحي : ذو الحياة وهي صفة تستتبع الاتصاف بالعلم والإرادة .

القيوم : القائم على كل شيء بكلائته وحفظه .

رغم أن بعض الناس قد يؤهلون أرباب كثيرة ويعبدون أشياء عدة إلا أن الحقيقة الخالدة هي أن كافة المخلوقات تنتمى إلى الله الذي لم يكن له شريك له أبدا فهو الله الحي القيوم واهب الحياة للخلق أجمعين لا عون ولا مدد إلا منه وهو المعين ولا معين سواه لا شبيه في صفاته ولا ند له في ذاته ولا مثيل له ولا شريك له ولذا فاتخاذ إله آخر أيا كان مع الله في الأرض أو السماء إن هو إلا زور وبهتان مبين .

روى ابن جرير وابن إسحق وابن المنذر أن هذه الآيات وما بعدها إلى نحو ثمانين آية نزلت في نصارى نجران إذ وفدوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانوا نحو ستين راكبا وخاصموه في عيسى ابن مريم و قالوا من أبوه ؟ وقالوا على الله تعالى الكذب والبهتان فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم : " ألستم تعلمون انه لا يكون ولدا إلا وهو يشبه أ باه ؟ قالوا بلى قال ألستم تعلمون أن ربنا حي لا يموت وأن عيسى يأتي عليه الفناء ؟ قالوا بلى قال ألستم تعلمون أن ربنا قيم على كل شيء يكلؤه ويحفظه ويرزقه ؟ قالوا بلى قال فهل يملك عيسى من ذلك شيئا ؟ قالوا لا قال ألستم تعلمون أن ربنا صور عيسى في الرحم كيف شاء وأن ربنا لا يأكل الطعام ولا يشرب الشراب ولا يحدث الحدث ؟ قالوا بلى قال ألستم تعلمون أن عيسى حملته أمه كما تحمل المرأة ثم وضعته كما تضع المرأة ولدها ثم غذي كما يغذي الصبي ثم كان يأكل الطعام ويشرب الشراب ويحدث الحدث ؟ قالوا بلى قال فكيف يكون هذا كما زعمتم فعرفوا ثم أبوا إلا جحودا فأنزل الله : { ألم الله لا إله إلا هو الحي القيوم } إلى آخر الآيات " .

و وجه الرد عليهم فيها انه تعالى بدأ بذكر التوحيد لينفي عقيدة التثليث بادئ ذي بدء ثم أتبع ذلك بما يؤكده من كونه حيا قيوما أي قامت به السموات والأرض وهي قد وجدت قبل عيسى فكيف تقوم به قبل وجوده .

و يذكر البيضاوي في تفسيره ( أنوار التنزيل وأسرار التأويل ) رواية تفيد أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال : " اسم الله الأعظم في ثلاث سور ( 116 ) .

في البقرة : الله لا إله إلا هو الحي القيوم .

و في آل عمران : الله لا إله إلا هو الحي القيوم .

وفي طه : وعنت الوجوه للحي القيوم .