مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي  
{فَإِذَا ٱسۡتَوَيۡتَ أَنتَ وَمَن مَّعَكَ عَلَى ٱلۡفُلۡكِ فَقُلِ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي نَجَّىٰنَا مِنَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ} (28)

أما قوله : { فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك } قال ابن عباس رضي الله عنهما : كان في السفينة ثمانون إنسانا ، نوح وامرأته سوى التي غرقت ، وثلاثة بنين : سام وحام ويافث ، وثلاث نسوة لهم ، واثنان وسبعون إنسانا فكل الخلائق نسل من كان في السفينة .

أما قوله : { فقل الحمد لله الذي نجانا من القوم الظالمين } ففيه مسائل :

المسألة الأولى : إنما قال : { فقل } ولم يقل فقولوا لأن نوحا كان نبيا لهم وإماما لهم ، فكان قوله قولا لهم مع ما فيه من الإشعار بفضل النبوة وإظهار كبرياء الربوبية ، وأن رتبة تلك المخاطبة لا يترقى إليها إلا ملك أو نبي .

المسألة الثانية : قال قتادة علمكم الله أن تقولوا عند ركوب السفينة { بسم الله مجراها ومرساها } وعند ركوب الدابة { سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين } وعند النزول { وقل رب أنزلني منزلا مباركا وأنت خير المنزلين } قال الأنصاري : وقال لنبينا { وقل رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق } وقال : { فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان } كأنه سبحانه أمرهم أن لا يكونوا عن ذكره وعن الاستعاذة به في جميع أحوالهم غافلين .

المسألة الثالثة : هذه مبالغة عظيمة في تقبيح صورتهم حيث أتبع النهي عن الدعاء لهم الأمر بالحمد على إهلاكهم والنجاة منهم كقوله تعالى : { فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين } وإنما جعل سبحانه استواءهم على السفينة نجاة من الغرق لأنه سبحانه كان عرفه أنه بذلك ينجيه ومن تبعه ، فيصح أن يقول : { نجانا } من حيث جعله آمنا بهذا الفعل ووصف قومه بأنهم الظالمون لأن الكفر منهم ظلم لأنفسهم لقوله : { إن الشرك لظلم عظيم } .