روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{قَالَ بَلۡ سَوَّلَتۡ لَكُمۡ أَنفُسُكُمۡ أَمۡرٗاۖ فَصَبۡرٞ جَمِيلٌۖ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَأۡتِيَنِي بِهِمۡ جَمِيعًاۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلۡعَلِيمُ ٱلۡحَكِيمُ} (83)

{ قَالَ } أي أبوهم عليه السلام وهو استئناف مبنى على سؤال نشأ مما سبق فكأنه قيل : فماذا كان عند قول ذلك القائل للإخوة ما قال ؟ فقيل : قال أبوهم عندما رجعوا إليه فقالوا له ما قالوا : { بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا } وإنما حذف للإيذان بأن مسارعتهم إلى قبول كلام ذلك القائل ورجوعهم به إلى أبيهم أمر مسلم غني عن البيان وإنما المحتاج إليه جوابه . يروى أنهم لما عزموا على الرجوع إلى أبيهم قال لهم يوسف عليه السلام : إذا أتيتم أباكم فاقرؤا عليه السلام وقولوا له : إن ملك مصر يدعو لك أن لا تموت حتى ترى ولدك يوسف ليعلم أن في أرض مصر صديقين مثله ، فساروا حتى وصلوا إليه فأخبروه بجميع ما كان فبكى وقال ما قال ، { *وبل } للإضراب وهو على ما قيل إضراب لا عن صريح كلامهم فإنهم صادقون فيه بل عما يتضمنه من ادعاء البراءة عن التسبب فيما نزل به وأنه لم يصدر عنهم ما أدى إلى ذلك من قول أو فعل كأنه لم يكن الأمر كذلك بل زينت وسهلت لكم أنفسكم أمراً من الأمور فأتيتموه يريد بذلك فتياهم بأخذ السارق بسرقته وليس ذلك من دين الملك .

وقال أبو حيان إن هنا كلاماً محذوفاً وقع الإضراب عنه والتقدير ليس حقيقة كما أخبرتم بل سولت الخ وهو عند ابن عطية وادعى أنه الظاهر على حد ما قال في قصة يوسف عليه السلام ظن سوء بهم خلا أنه عليه السلام صدق ظنه هناك ولم يتحقق هنا . وذكر ابن المنير في توجيه هذا القول ههنا مع أنهم لم يتعمدوا في حق بنيامين سوءا ولا أخبروا اباهم إلا بالواقع على جليته وما تركوه بمصر إلا مغلوبين عن استصحابه أنهم كانوا عند أبيهم عليه السلام حينئذ متهمين وهم قمن باتهامه لما أسلفوه في حق يوسف عليه السلام وقامت عنده قرينة تؤكد التهمة وتقويها وهو أخذ الملك له في السرقة ولم يكن ذلك إلا من دينه لا من دينه ولا من دين غيره من الناس فظن أنهم الذين أفتوه بذلك بعد ظهور السرقة التي ذكروها تعمداً ليتخلف دونهم ، واتهمام من هو بحيث يتطرق إليه التهمة لا جرح فيه لا سيما فيما يرجع إلى الوالد مع الولد ، ثم قال : ويحتمل أن يكون الوجه الذي سوغ له هذا القول في حقهم أنهم جعلوا مجرد وجود الصواع في رحل من يوجد في رحله سرقة من غير أن يحيلوا الحكم على ثبوت كونه سارقاً بوجه معلوم ، وهذا في شرعنا لا يثبت السرقة على من ادعيت عليه فإن كان في شرعهم أيضاً كذلك ففي عدم تحرير الفتوى إشعار بأنهم كانوا حراصاً على أخذه وهو من التسويل وإن اقتضى ذلك في شرعهم فالعمدة على الجواب الأول هذا ، والتنوين في { لَكَ أمْراً } للتعظيم أي أمراً عظيماً { فَصَبْرٌ جَمِيلٌ } أي فأمري ذلك أو فصبر جميل أجمل وقد تقدم تمام الكلام فيه فتذكر .

{ عَسَى الله أَن يَأْتِيَنِى بِهِمْ جَمِيعًا } بيوسف وأخيه بنيامين والمتوقف بمصر { إِنَّهُ هُوَ العليم } بحالي وحالهم { الحكيم } الذي يبتلى ويرفع البلاء حسب الحكمة البالغة ، قيل : إنما ترجى عليه السلام للرؤية التي رآها يوسف عليه السلام فكان ينتظرها ويحسن ظنه بالله تعالى لا سيما بعد أن بلغ الشظاظ الوركين وجاوز الحزام الطبيين فإنه قد جرت سنته تعالى أن الشدة إذا تناهت يجعل وراءها فرجاً عظيماً ، وانضم إلى ذلك ماأخبر به عن ملك مصر أنه يدعو له أن لا يموت حتى يرى ولده .

( ومن باب الإشارة { عَسَى الله أَن يَأْتِيَنِى بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ العليم الحكيم } [ يوسف : 83 ] كأنه عليه السلام لما رأى اشتداد البلاء قوي رجاؤه بالفرج فقال ما قال :

اشتدى أزمة تنفرجي *** قد آذن ليلك بالبلج

وكان لسان حاله يقول :

دنا وصال الحبيب واقتراب *** واطربا للوصال واطرابا

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{قَالَ بَلۡ سَوَّلَتۡ لَكُمۡ أَنفُسُكُمۡ أَمۡرٗاۖ فَصَبۡرٞ جَمِيلٌۖ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَأۡتِيَنِي بِهِمۡ جَمِيعًاۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلۡعَلِيمُ ٱلۡحَكِيمُ} (83)

قوله تعالى : { قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللّهُ أَن يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ 83 وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ 84 قَالُواْ تَالله تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ 85 قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ } أي ليس الأمر في حقيقته كما تقولون بل زينت لكم أنفسكم أمرا أردتموه وتمالأتم عليه فيما بينكم ، وهو في ذلك مرتاب فيهم ؛ إذ كانت لهم في ذلك سابقة في أخيهم يوسف ؛ إذ ألقوه في المهلكة ثم اصطنعوا على أبيهم الكذب لما جاءوه بدم مكذبو ؛ فلا عجب أن يظن يعقوب سوءا ؛ لأن شأنهم مريب بما تلبسوا به من الافتراء والتدليس ومصنوع الحديث .

قوله : { فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللّهُ أَن يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا } التزم يعقوب الصبر في هذه المرة كما اصطبر على حبيبه وقرة عينه يوسف في المرة الأولى . وهو مع بالغ أساه وعميق حزنه يساوره الرجاء العظيم في الله أن يرد إليه أبناءه الثلاثة وهم يوسف ، وأخوه الذي وجدوا في رحله الصواع . ثم أخوهم الكبير الذي ذكرهم بموثقهم الذي قطعوه لأبيهم ، والذي أبى إلا المكث في مصر حتى يأذن له أبوه أو يحكم الله بشيء آخر .

هكذا كان جواب يعقوب لأبنائه مع ما يساوره من بالغ الرجاء من الله بإرجاع بنيه الثلاثة إليه . وهو في ذلك كله تشده الثقة الكاملة بحقيقة رؤياه وحقيقة ما تصير إليه من ظهور يوسف وسجود إخوته له تعظيما .

قوله : { إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ } قال يعقوب وهو يبث حزنه إلى ربه : إن الله عليم بحالي وهمي وحزني ، حكيم في تدبيره وأفعاله .