{ ذلكم } إشارة إلى المنعوت بما ذكر من جلائل النعوت ، وما فيه من معنى البعد لما مر مراراً . والخطاب للمشركين المعهودين بطريق الإلتفات . وذهب الطبرسي أنه لجميع الناس ، وهو مبتدأ وقوله سبحانه : { الله رَبُّكُمْ لا إله إِلاَّ هُوَ خالق كُلّ شَىْء } أخبار أربعة مترادفة أي ذلك الموصوف بتلك الصفات العظيمة الشأن هو الله المستحق للعبادة خاصة مالك أمركم لا شريك له أصلاً خالق كل شيء مما كان وسيكون ، والمعتبر في عنوان الموضوع حسبما اقتضته الإشارة إنما هو خالقيته سبحانه لما كان فقط كما ينبىء عنه صيغة الماضي ، وجوز أن يكون الاسم الجليل بدلاً من اسم الإشارة و { رَبُّكُمْ } صفته وما بعده خبر ، وأن يكون الاسم الجليل هو الخبر وما بعده إبدال منه ، وأن يكون بدلاً والبواقي أخبار ، وأن يقدر لكل خبر من الأخبار الثلاثة مبتدأ ، وأن يجعل الكل بمنزلة اسم واحد ، وأن يكون { خالق كُلّ شَىْء } بدلاً من الضمير ، وجوز غير ذلك .
وقوله تعالى : { فاعبدوه } مسبب عن مضمون الجملة فإن من جمع هذه الصفات كان هو المستحق للعبادة خاصة ، وادعى بعضهم أن العبادة المأمور بها هي نهاية الخضوع وهي لا تتأتى مع التشريك فلذا استغنى عن أن يقال : فلا تعبدوا إلا إياه ، ويفهم منه أن مجرد مفهوم العبادة يفيد الاختصاص ، ولا يأباه دعوى إفادة تقديم المفعول في { إِيَّاكَ نَعْبُدُ } [ الفاتحة : 5 ] إياه( {[281]} ) لأن إفادة الحصر بوجهين لا مانع منها كما في { فَلِلَّهِ الحمد } [ الجاثية : 36 ] ونحوه ، وإنما قال سبحانه هنا : { ذَلِكُمُ الله * لا إله إِلاَّ هُوَ خالق كُلّ شَىْء فاعبدوه } وفي سورة المؤمن ( 26 ) { ذَلِكُمُ الله رَبُّكُمْ خالق كُلّ شَىْء لاَّ إله إِلاَّ هُوَ فأنى تُؤْفَكُونَ } فقدم سبحانه هنا { لاَ إله إِلاَّ هُوَ } على { خالق كُلّ شَىْء } وعكس هناك . قال بعض المحققين : لأن هذه الآية جاءت بعد قوله تعالى : { جَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَاء } [ الأنعام : 100 ] الخ فلما قال جل شأنه : { ذَلِكُمُ الله رَبُّكُمْ } أتى بعده بما يدفع الشركة فقال : عز قائلاً { لاَ إله إِلاَّ هُوَ } ثُمَّ * { خالق كُلّ شَىْء } وتلك جاءت بعد قوله سبحانه { لَخَلْقُ * السموات والارض *أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ الناس ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَعْلَمُونَ } [ غافر : 57 ] فكان الكلام على تثبيت خلق الناس وتقريره لا على نفي الشريك عنه جل شأنه كما كان في الآية الأولى فكان تقديم { خالق كُلّ شَىْء } هناك أولى والله تعالى أعلم بأسرار كلامه .
{ وَهُوَ على كُلّ شَىْء وَكِيلٌ } عطف على الجملة السابقة أي وهو مع تلك الصفات الجليلة الشأن متولي جميع الأمور الدنيوية والأخروية ، ويلزم من ذلك أن لا يوكل أمر إلى غيره ممن لا يتولى .
وجوز أن تكون هذه الجملة في موضع الحال وقيدا للعبادة ويؤول المعنى إلى أنه سبحانه مع ما تقدم متولي أموركم فكلوها إليه وتوسلوا بعبادته إلى إنجاح مأربكم ، وفسر بعضهم الوكيل بالرقيب أي أنه تعالى رقيب على أعمالكم فيجازيكم عليها . واستدل أصحابنا بعموم { خالق كُلّ شَىْء } على أنه تعالى هو الخالق لأعمال العباد والمعتزلة قالوا : عندنا هنا أشياء تخرج أعمال العباد من البين . أحدها : تعقيب ذلك العموم بقوله سبحانه : { فاعبدوه } فإنه لو دخلت أعمال العباد هناك لصار تقدير الآية إنا خلقنا أعمالكم فافعلوها بأعيانها مرة أخرى وفساده ظاهر . وثانيها : أن { خالق كُلّ شَىْء } ذكر في معرض المدح والثناء ولا تمدح بخلق الزنا واللواطة والسرقة والكفر مثلا . ثالثها : أنه تعالى قال بعد . { قَدْ جَاءكُمْ بَصَائِرُ مِن رَّبّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِىَ فَعَلَيْهَا } [ الأنعام : 104 ] وهو تصريح بكون العبد مستقلاً بالفعل والترك وأنه لا مانع له . رابعها : أن هذه الآية أتى بها بعد { وَجَعَلُواْ * لله شُرَكَاء * الجن } [ الأنعام : 100 ] والمراد منه على ما روي عن الحبر الرد على المجوس في إثبات الهين فيجب أن يكون { خالق كُلّ شَىْء } محمولاً على إبطال ذلك وهو إنما يكون إذا قلنا : إنه تعالى هو الخالق لما في هذا العالم من السباع والآلام ونحوها وإذا حمل على ذلك لم تدخل أعمال العباد ولا يخفى ما في ذلك من النظر ومثله استدلالهم بالآية على نفي الصفات وكون القرآن مخلوقاً فتدبر .
قوله تعالى : { وخلق كل شيء وهو بكل شيء عليم ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو خالق كل شيء فاعبدوه } ، فأطيعوه .
قوله تعالى : { وهو على كل شيء وكيل } ، بالحفظ له والتدبير .
قوله تعالى : { لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار } ، يتمسك أهل الاعتزال بظاهر هذه الآية في نفي رؤية الله عز وجل عياناً ، ومذهب أهل السنة : إثبات رؤية الله عز وجل عياناً ، قال الله تعالى : { وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة } [ القيامة :23 ] ، وقال : { كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون } [ المطففين :15 ] ، قال مالك رضي الله عنه : لو لم ير المؤمنون ربهم يوم القيامة لم يعير الله الكفار بالحجاب .
وقرأ النبي صلى الله عليه وسلم : { للذين أحسنوا الحسنى وزيادة } [ يونس : 26 ] ، وفسره بالنظر إلى وجه الله عز وجل .
أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أنا محمد بن يوسف ، ثنا محمد بن إسماعيل ، ثنا يوسف بن موسى ، ثنا عاصم بن يوسف اليربوعي ، أنا أبو شهاب ، عن إسماعيل بن أبي خالد ، عن قيس ابن حازم ، عن جرير بن عبد الله قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( إنكم سترون ربكم عياناً ) .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.